لأن الاتفاق على الإستراتيجية الدفاعية جزء من الوفاق الوطني
هيئة الحوار مدعوة للإجابة عن "أي لبنان نريد"
موضوع تحييد لبنان عن الصراعات الذي طرحه الرئيس أمين الجميل في اجتماع هيئة الحوار الوطني الاخير وأثار سجالا ينبغي ان يكون موضوعا مطروحا للمناقشة مع البحث في الاستراتيجية الدفاعية لانه يشكل جزءا أساسيا منها، ذلك ان الجواب على "أي لبنان نريد؟" يعطي هذه الاستراتيجية شكلا معينا.
لذلك على هيئة الحوار الوطني التوصل الى اتفاق بعد مناقشة كل الآراء على جواب عن سؤال "أي لبنان نريد؟" هل نريده دولة قوية قادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، أم نريده ساحة مفتوحة للصراعات وأرضه ملعبا للاعبين من كل حدب وصوب؟ والسؤال الآخر الذي ينبغي الاتفاق على اعطاء جواب عليه هو: كيف نحمي لبنان من أخطار الخارج والداخل؟
ثمة من يقول ان هذه الحماية تتحقق بقوة السلاح وبالتحالفات مع الدول الصديقة والشقيقة ولا سيما الجارة سوريا بحيث يصيبه ما يصيبها ويناله ما ينالها. وثمة من يقول ان حماية لبنان تتم بتحقيق السلام الشامل وبالسعي الدؤوب اليه وبتوظيف كل صداقاته العربية والدولية لهذه الغاية وليس بالسلاح الذي مهما بلغ حجمه ونوعه فانه لن يصل الى حد التكافؤ مع اسرائيل، وان كل ما يحققه السلاح في حال المواجهة هو التدمير المتبادل والصمود الذي يمنع اسرائيل من تحقيق أهدافها وهو ما حصل في حرب تموز، لكن التدمير من دون التوصل الى صلح او سلام دائمين وثابتين، يجعل الشعب اللبناني يعاني فوق ما عانى من نتائج الدمار والخراب.
وثمة من يرى ان حياد لبنان الايجابي، كالحياد السويسري او النمسوي او أي نوع آخر من الحياد، هو الذي يحمي لبنان من صراعات المحاور، لان الدخول فيها قد يحميه وقد لا يحميه، وبالتالي يجعل اللبنانيين ينقسمون بين من يريد أن يكون مع هذا المحور او ذاك، فتصبح الوحدة الوطنية الداخلية عندئذ في خطر، وهو ما واجهه اللبنانيون على مر عقود وعهود لأنهم لم يتوصلوا الى اتفاق على الاجابة عن سؤال أي لبنان يريدون، وذلك منذ أن طرح عليهم موضوع الانضمام، الى جامعة الدول العربية او البقاء خارجها. فكان طرف مع الانضمام بدعوى ان لبنان هو جزء من العالم العربي ولا يمكنه ان يكون جزءا منفصلا عنه، وطرف ضد الانضمام بدعوى اعطاء لبنان تسميته "الأمة اللبنانية" كشخصية مستقلة بحيث يوصف لبنان بذاته ولا يعطى له اي وصف آخر. فتغلّب رأي على آخر وأصبح لبنان بانضمامه الى جامعة الدول العربية في قلب الصراعات الداخلية والخارجية وشوارعه تعج بالتظاهرات المؤيدة لهذا المحور او ذاك ولا تخلو أحيانا من العنف.
وثمة من يطرح تنفيذ فكرة جعل لبنان مركزا لحوار الثقافات والحضارات والاديان علَّ تنفيذها يشكل حماية ولو نسبية له، وهذه الفكرة طرحها الرئيس ميشال سليمان أكثر من مرة في المحافل الدولية وكانت قد اقترحتها مجموعة من المفكرين والسياسيين والمثقفين اللبنانيين.
وثمة من يقترح تطبيق اللامركزية الادارية الواسعة التي من شأنها ان تجعل الخلاف على اتخاذ القرارات فيها مبررا لعدم اتخاذها في الادارة المركزية. وثمة من يقترح في حال استمرار الخلاف على أي لبنان نريد، اعتماد "نظام الفيديرالية"، لانه النظام الذي يمنع التقسيم وقد اعتمدته دول كثيرة عندما كانت معرضة لخطر التقسيم والتقاسم بنتيجة الانقسامات الداخلية الحادة.
لكل هذه الاسباب وغيرها ينبغي على هيئة الحوار الوطني مناقشة الجواب على سؤال أي لبنان نريد وكيف يمكن حمايته من صراعات المحاور لتقوم فيه دولة ولا يظل ساحة أو ملعبا لكل اللاعبين او أرض تجارب لكل المشاريع، بل دولة قوية قادرة على حماية نفسها بنفسها ووطنا محصنا، ولتتحمل هيئة الحوار وبعدها مجلس الوزراء ومجلس النواب اختيار الصيغة الملائمة للبنان وطريقة حمايته من شتى الاخطار كما تحمل في الماضي طرف مسؤولية قرار ضمه الى جامعة الدول العربية ولم يأخذ برأي طرف آخر وترك للتاريخ أن يحكم.
ولا بد هنا من التذكير بما جاء في محاضرة قيمة للوزير السابق المحامي كريم بقرادوني دعته لالقائها "ندوة انطاكية للدراسات والابحاث" حول "لبنان في مواجهة التحولات الاقليمية والدولية، المنعقدة في ايلول 1997 وكان عنوان المحاضرة: "الامن الاستراتيجي اللبناني" وقد استهلها بالقول: "يقول ليون كارل براون ان "الشرق الاوسط هو المنظومة الفرعية الاكثر اختراقا من بين منظومات العلاقات الدولية في عالم اليوم"، وعلى خطاه أضيف: "ان لبنان هو الدولة الاكثر اختراقا من بين دول الشرق الاوسط. ولا ريب ان الامن الاستراتيجي لأي دولة مرتبط بعاملين: الاختراق الخارجي والاستقطاب الداخلي، ويغدو الامن الاستراتيجي لأي دولة عرضة للخطر بقدر ما تكون هذه الدولة عرضة للاختراق الخارجي، ويسهل الاختراق الخارجي بقدر ما يتيسر الاستقطاب الداخلي، وأكثرية دول العالم تواجه مخاطر الاختراق من الخارج، لكن مدى هذا الاختراق مرتبط بمدى قابلية الداخل على التعامل مع الخارج. ففي كل مرة لا يتم الاستقطاب الداخلي يبقى الاختراق الخارجي محدودا وأمن الدولة الاستراتيجي متينا، وفي كل مرة يسهل الاستقطاب الداخلي يتوسع مدى الاختراق الخارجي ويمسي الامن الاستراتيجي هشا. ويبرز الامن الاستراتيجي اللبناني في غاية الهشاشة في ضوء عاملي الاختراق والاستقطاب، وقد دفع لبنان ثمن أمنه الاستراتيجي الهش فاتورة باهظة ومكلفة. فالاختراق الخارجي صدّر له مشاكل الآخرين وحروبهم والاستقطاب الداخلي استوردها وحوّلها الى مشاكل وحروب لبنانية".
ويضيف بقرادوني: "ان افتقار لبنان الى ولاء وطني متماسك أضعف قدرته على صياغة استراتيجية أمنية متماسكة، فالامن الاستراتيجي تجاه الخارج يعتمد على مدى توحيد الصف الداخلي ويتعطل هذا الامن حين تستقطب قوتان خارجيتان أو أكثر أطرافا لبنانيين ليخوضوا معاركها نيابة عنها، فيصير لبنان ساحة صراع بديلة حيث تتواجه القوى الخارجية بواسطة اللبنانيين وينهار الامن الاستراتيجي حين تستعين فئة او فئات عدة من الداخل بالخارج لتعزز مواقعها في الصراع على السلطة والتغلب على خصومها المحليين، فيتحول اللبنانيون تدريجا الى رهائن في لعبة أكبر منهم، وتخرج القوى الخارجية وحدها الرابحة والمستفيدة على حساب الوطن. وفي كل مرة غرق اللبنانيون في صراعاتهم الداخلية على حساب المصلحة الوطنية، أفسحوا في المجال لتلاعب الدول الخارجية بمصيرهم، وما الحرب اللبنانية التي طالت إلا تجسيد للاختراق المتزايد من الخارج وقابلية اللبنانيين المتزايدة للاستقطاب في الداخل، وإن أسوأ ما يحدث لبلد ان يستقيل أهله وحكامه من التفكير بأمنهم الاستراتيجي ويوكلون أمرهم الى غيرهم، فيضيعون حقهم في ادارة شؤونهم وتقرير مصيرهم، ويفقدون أهليتهم في الحفاظ على مصالحهم واستقلالهم وسيادتهم وخصوصياتهم".
ويتابع: "لقد انتقل لبنان من نظام القائمقاميتين الى نظام المتصرفية، وخطا من اطار "لبنان الصغير" الى اطار "لبنان الكبير"، وحملت كل حالة تقسيم بذور حالة توحد، وأظن أن عوامل التوحد في حالة اطراد. غير أن عوامل التقسيم ما زالت متجذرة في الضمائر ولا مفر من ان نبني استراتيجية أمنية تزيد حظوظ التوحد وتقلل احتمالات التقسيم. وكل استراتيجية أمنية يجب ان تعمل على أساس ان لبنان وطن نهائي فتحفظ سيادته وهويته واستقلاله وفي الوقت نفسه تحمي عروبته والتنسيق والتضامن والتكامل مع محيطه، خصوصا في اطار النزاع العربي – الاسرائيلي. وما دام الامر كذلك يفترض في كل تصور استراتيجي للأمن اللبناني ان يطمئن المسيحيين ويريح المسلمين ويشجع على بناء نظام سياسي متوازن لا اختلال فيه وايجاد تنمية عادلة لتخفيف الحرمان وتأمين مشاركة واسعة في الحكم وتمثيل صحيح لمختلف الطوائف في مختلف مؤسسات الدولة، فأساس الامن الاستراتيجي اللبناني يكمن في الوفاق الوطني، فاذا اهتز الوفاق يهتز الامن واذا ثبت الوفاق يثبت الامن، خصوصا ولبنان ما زال يواجه أولوية الامن والدفاع من جراء استمرار الصراع المباشر مع اسرائيل".
ويختم بالقول: "ان لبنان دولة صغيرة تحيط به دولتان عاتيتان: سوريا واسرائيل، الاولى لم تعترف به الا أخيرا وبشكل غير مكتمل بعد، وهو لم يعترف بالثانية بعد ولا نرى ما يدعونا الى هذا الاعتراف في المدى المنظور".
إن هذا الواقع يدعو هيئة الحوار الوطني الى ان تجعل الاولوية في عملها الاتفاق أولا على: أي لبنان نريد؟ وكيف نحميه كي تأتي الاستراتيجية على قياس هذا الاتفاق؟