هناك أحزاب بصفة تمثيلية أهلية وليس هناك أحزاب تمثّل الغيب والقضايا الوطنية معاً
للطوائف الأخرى مشكلة "موضوعية" مع السلاح
يتفرّد حزب واحد في لبنان بإحتكار معادلة السلاح. يعجب الآخرون من ذلك. يعجب هو من عجبهم. عجب الآخرين مفهوم. أما عجبه هو فمدعاة لعجب لا ينتهي.
فهذا الحزب هو جزء من طائفة، وملتزم بأيديولوجيا دينية سياسيّة مصاغة في العقود الأخيرة، وهي أيديولوجيا "حراسة الثورة". لا يعقل إذاً أن يندهش هذا الحزب من أن استمرار وجود وتعاظم السلاح لديهم يشكّل مشكلة بالنسبة إلى الطوائف الأخرى، وبالنسبة إلى الأفراد المتفلّتين من طوائفهم في الوقت نفسه، وبالنسبة إلى كل من لا يقيّد نفسه بأيديولوجيا "حراسة الثورة".
لقد ارتُكِبَ خطآن في السنوات الأخيرة عند مقاربة ظاهرة الحزب الفئويّ الشموليّ المسلّح. هناك من أنكر عليه حيثيّته التمثيليّة داخل طائفته، وهناك من أغدق عليه صفة تمثيليّة لقيم وقضايا تتجاوز المنطق الطائفيّ. آن الأوان لتصحيح هذين الخطأين: هذا الحزب له الموقع التمثيليّ الأوّل داخل طائفته، إلا أنّ السلاح الذي يمتلكه هذا الحزب يمثّل المشكلة الأولى بين الطوائف اللبنانية اليوم.
إنّ مشكلة هذا السلاح مع الطوائف الأخرى هي مشكلة "موضوعيّة"، بصرف النظر عن العوامل والأهواء الذاتيّة، وعن منسوب ومجرى التأثيرات الخارجيّة. إذا كان البلد موزّع طائفياً، وكانت لدى كل طائفة أصناف لا حصر لها من الأسلحة خلال أعوام الحرب، فلا يعقل أن يستمرّ حزب واحد بامتلاك هذا السلاح، خصوصاً إذا كان حزباً يعتنق أيديولوجيا دينية سياسية حديثة العهد.
إنّ واقع الحيثية التمثيليّة لهذا الحزب داخل طائفته هو واقع ينبغي أن يدفع الآخرين لبذل المستحيل من أجل حوار حقيقيّ وصادق وحريص على إنتقاء أفضل المفردات وأجمل المعاني. أما واقع إحتكار هذا الحزب للسلاح دون سائر الطوائف فهو يمثّل مشكلة لا تجدي معها المكابرة.
طبعاً لا يمكن الفصل على طول الخط بين هذين الواقعين، ذلك أنّ هذا الحزب يسعى، من طريق أيديولوجيّته الدينيّة السياسيّة حديثة العهد، إلى إعادة تكوين طائفته على صورة ومثال نظام "حراسة الثورة" الذي يواليه، تماماً مثلما هو يسعى إلى إعادة تكوين لبنان على صورة ومثال الطائفة المعاد تكوينها.
من هنا الضرورة أيضاً لإعمال تمييز بين التراث الدينيّ والثقافيّ والحضاريّ للطائفة، مع إدانة وشجب كل تعرّض مباشر أو غير مباشر لأي رمز ولأي شعور ولأي شعيرة، وبين الأيديولوجيا الدينية السياسية حديثة العهد، وتحديداً في طبعتها الأخيرة، التي انتهى بها الأمر إلى قمع كل شبهة تعدّدية داخلها في السنة الأخيرة. هذه الأيديولوجيا لها أن تنقد، بشكل علميّ بالدرجة الأولى، أي على قاعدة توخي عدم التعرّض للتراث الدينيّ والثقافيّ والحضاريّ للطائفة، وعلى قاعدة رفض أي خلط بين الإثنين، وهو الخلط الذي تترّس وراءه معادلة الحزب المسلّح في كثير من الأحيان.
يأتي هنا موضوع الإسم. يحقّ لكل حزب أن يكون له إسم، وأن ينادى بإسمه، لكن لا يحقّ لأي حزب أن يخلط بين الدلالة "اللغويّة" البحت لإسمه وبين الدلالة "التعريفية". الإسم كنية وتعبير عن خط، لا تعبير عن واقع. أن يكون هناك في لبنان مثلاً حزب إسمه حزب العمال فهذا لا يعني أنّه يمثّل كل العمّال بصرف النظر عن إنتسابهم إليه. وأن يكون هناك حزب اسمه حزب البيئة فهذا لا يعنيّ أنّه يمثّل كل عناصر الطبيعة. وهذا يصحّ أكثر فأكثر على الأحزاب التي تنسب نفسها، من خلال إسمها، إلى الغيب، فكيف الحال بمن ينسب نفسه إلى غيب الغيوب وعلام الغيوب؟
هنا أيضاً، وعلى قاعدة التمييز بين التراث الدينيّ العريق لكل طائفة، وبين الأيديولوجيات الدينية السياسية الحديثة العهد، ينبغي التعامل مع كل الأحزاب السياسية في لبنان، بصرف النظر عن إسمها وشعاراتها، على أنّها أحزاب دنيويّة، وليس أحزاب ناطقة بلسان الغيب، أو متلقية لوحي من الغيب، وجامعة بين تجاوز الطائفة "بإتجاه الغيب" وتجاوزها بإتجاه "الهيمنة على الوطن"، من موقع الطائفة، ومن موقع الإنتساب "من طرف واحد" للغيب.