#dfp #adsense

أين أصبحت “جبهة المعارضة” وما هي عقبات تشكيلها؟

حجم الخط

كتب خضر طالب في "السفير": بعد تشكيل الحكومة الحريرية الأولى برئاسة سعد الحريري، وما رافقها وأعقبها من خلط للأوراق الداخلية وفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، انتقل من بقي من المعارضة خارج جنة الحكم من صيغة التنسيق الثنائي، نحو إطلاق ورشة مشاورات مكثّفة تمهيدا لتشكيل جبهة معارضة على وقع "صدمة" استبعادهم إما عن طاولة الحوار الوطني أو قبلها عن "حكومة الوحدة الوطنية".

سرعان ما نجحت الاتصالات في بلورة فكرة تشكيل جبهة معارضة، ودار النقاش بداية حول شخصية رئيسها بين الرئيسين إميل لحود وعمر كرامي، لكن هذا النقاش لم يدم طويلاً إذ استقر الرأي على أن تكون برئاسة كرامي على أن يتمثّل فيها لحود عبر نجله النائب السابق إميل لحود.

وبسرعة قياسية أيضاً، نجحت الاتصالات في وضع مشروع الجبهة على نار حامية، بعدما عبرت الأطراف المعنية عن وجود رغبة في قيامها، كما في وضع مسودة بيانها السياسي التأسيسي، وصيغتها شبه النهائية التي تتضمّن إنشاء أمانة عامة، فيما ظلّت عالقة مشاركة بعض الأحزاب الوطنية والشخصيات السياسية التي لم تكن قد حسمت خياراتها.

كان يفترض أن تنجز الجبهة قبل نهاية شهر نيسان 2010 والإعلان عنها قبل بلوغ مرحلة الانتخابات البلدية، لكن تأخر ردود الأحزاب وانطلاق التحضيرات للانتخابات البلدية، دفعا الرئيس كرامي وفريق العمل في الجبهة لتعليق الاتصالات إلى ما بعد انتهاء الانتخابات البلدية.

لكن المفارقة أن هذه الانتخابات شكّلت في حيثياتها نقطة تحوّل في عملية تشكيل الجبهة، خصوصاً في ظل التداعيات التي تركتها على التحالفات، حتى بدا لوهلة أن مشروع تشكيل الجبهة قد صار من الماضي بفعل هذه المتغيرات، خصوصاً تلك المرتبطة بالعلاقة الناشئة بين الرئيسين الحريري وكرامي، التي ساهمت في إطلاق العنان لاستنتاجات حول مصير مشروع الجبهة، على قاعدة أن كرامي لن يستطيع قيادة جبهة معارضة ضد "حليفه الجديد" الحريري، في ظلّ ما توحيه مؤشرات هذه العلاقة بأنها قابلة للتطور نحو تفاهم سياسي مستقبلي ما.

فالرئيس الحريري يريد توطيد هذه العلاقة وتطويرها إلى تحالف في مدينة طرابلس كي يستطيع مواجهة النمو المتزايد في حالة الرئيس نجيب ميقاتي واحتمالات تشابكها مع الوزير محمد الصفدي الذي تسود علاقته مع الحريري "غيمة رمادية"، وما يمكن هذا التفاهم بين ميقاتي والصفدي أن يشكّله من حيثية في الحالة السنية تخرج من طرابلس إلى بقية مناطق الشمال. كما أن الحريري يرغب بوجود حليف سني قوي يؤمّن له حماية جناحه الذي ظهر ضعيفاً في الانتخابات البلدية الأخيرة، وهو يعلم أن التحالف مع كرامي يساهم في تدعيم صفوفه التي اختلّ توازنها وهي قابلة لمزيد من الارتباك في مواجهة ميقاتي.

أما كرامي، فإنه يدرك أن حليفاً قوياً كالحريري سيكون مفيداً في تدعيم صفوفه التي أنهكتها المواجهات المتتالية منذ العام 2000، ويساهم في فك الطوق المضروب عليه طرابلسياً منذ ذلك الحين، بما يؤمن له ركيزة مهمة في الاستحقاقات المقبلة، فضلاً عن أن هذا التحالف يبني جسر عبور متين لنقل وراثته السياسية إلى نجله فيصل كرامي بهدوء، وبعيداً عن التوازن الحالي في عاصمة الشمال الذي قد يفرض عليه التعاطي معه على قاعدة أنه الطرف الضعيف فيه.

تلك الاستنتاجات المتداولة على ألسنة حلفاء كرامي قبل خصومه، هي التي تساهم في ترجيح "سقوط" مشروع جبهة المعارضة نتيجة "سقوط" مقوماتها والحاجة إليها، وهي استنتاجات تتناقض مع قراءة كرامي، "أن فكرة إنشاء الجبهة لا تزال قائمة، والاتصالات التي توقفت فترة من الزمن بسبب الانتخابات البلدية استؤنفت مجدداً، وستشهد خلال هذا الأسبوع زخماً يؤدي إلى بلورة تصور حاسم لهذه الفكرة" يقول المقربون من كرامي.

لا تخفي أوساط كرامي ارتياحه إلى العلاقة المستجدة مع الحريري "الذي أظهر صدقية في التزاماته ونفّذ كل ما وعد به"، إلا أنها تؤكد أن ما جرى حتى الآن لم يتجاوز التفاهم البلدي فضلاً عن الكيمياء الشخصية التي تساهم في التقارب بينهما، خصوصاً أن هناك أيضاً تقاربا في الثوابت السياسية، لأن كرامي ما زال على ثوابته والحريري ليس بعيداً عن هذه الثوابت، بل تبيّن أنه قريب منها كثيرا، وهذا ما ضيّق المسافة بينه وبين "حزب الله". "فلماذا مسموح التنسيق بين الرئيس الحريري والرئيس نبيه بري و"حزب الله" وممنوع على الرئيس كرامي؟!"

وعلى قاعدة أن هناك متغيرات دائمة في السياسة، فإن ما تتحدّث به أوساط كرامي عن الحريري يوحي بأن هناك شيئاً تأسس بين الرجلين، وانسحب إلى العلاقة أيضاً بين فيصل كرامي ونادر الحريري.

"اكتشفنا بعضنا"، يقول أهل بيت الرئيس كرامي، و"هناك خط فتح في العلاقة يسير خطوة بخطوة"، لكن لا يمكن التكهّن منذ الآن بمستقبل هذه العلاقة والمدى الذي يمكن أن تصل إليه. هناك آمال معلّقة على تطورها وإن كان البعض يعتقد أن الرئيس كرامي حصل على "شيك" مؤجل "صرفه" إلى ما بعد ثلاث سنوات… أما الرئيس كرامي فإنه يصرّ على أن هذا التفاهم هو خارج هذه الحسابات، وأنه يمنع عن مدينة طرابلس الضرر الذي تحمّلته في الماضي القريب عندما تحوّلت إلى "تنفيسة" عن كل لبنان.

لكن، ماذا سيكون تأثير هذا "الخط المفتوح" بين الحريري وكرامي على تشكيل جبهة المعارضة؟
في رأي كرامي أن المعارضة "موجودة بالفكر"، والبحث هو عن الإطار الذي يجمعها، وأن التقارب مع الحريري لا يؤثّر على تشكيل الجبهة التي عليها أن تقوم بدور في الضغط على الحكومة من أجل تصويب عملها، خصوصاً بعد حصول تقاطع في العناوين السياسية بين الحريري وقوى المعارضة السابقة التي أصبحت شريكة في الحكم.

وعلى هذا الأساس، فإن مسألة تشكيل جبهة معارضة لا يقوم على الأسس ذاتها التي كانت تحكم عمل المعارضة في المرحلة السابقة.
إلا أن المعلومات المتداولة تفيد بأن النقاط العالقة في عملية تشكيل الجبهة لا تزال قيد البحث لتذليلها، ومن بين أبرزها تلك المتعلّقة بمشاركة "حزب الله" وحركة "أمل" و"التيار الوطني الحر" وتيار "المردة" فيها، خصوصاً أن بعض القوى والشخصيات لا تزال تضع مشاركة هؤلاء في الجبهة شرطا أساسيا للدخول إليها، فيما هذه الأطراف تبدو محرجة في المشاركة بسبب وجودها في الحكومة الذي يعطّل عليها لعب دور معارض خارجها. بينما يأتي الرد من القوى المطالبة بمشاركتهم بأن الحريري وحلفاءه موجودون في الحكومة وما زالوا موجودين أيضاً في جبهة "14 آذار."

وفيما يدور النقاش في حلقة مفرغة حول هذه النقطة المحورية في عملية تشكيل الجبهة، فإن كرامي الذي يؤيّد فكرة انضمام تلك القوى إلى الجبهة برغم وجودها في الحكومة لما سيمنح الجبهة من قوة دفع كبيرة، إلا أنه لا يضع هذه المشاركة شرطاً لتشكيل الجبهة، لكنه يصرّ على دخول الأحزاب الوطنية التي يتبنّى منها الحزب القومي شرط انضمام "الحلفاء" في الحكومة لدخوله إلى جبهة المعارضة.

في المحصلة، لا يرغب الرئيس كرامي بتشكيل جبهة لا تتمتع بزخم كاف لإقلاعها، وهذا الزخم ما زال مفقوداً في ظل الشروط التي تعرقل تشكيل جبهة فاعلة تستطيع لعب دور في الحياة السياسية ولا تكتفي بإصدار بيانات أسبوعية لتسجيل موقف… فالرئيس كرامي لا يريد أن يقع في محظور "بعد ها الكَبْرَة… جبّة حمرا"…

المصدر:
السفير

خبر عاجل