الحمد لله ان في لبنان صحيفة مثل صحيفة "السفير"!
فمجرّد وجود مثل هذه الصحيفة يؤكد وجوب استمرار "ثورة الأرز"، على الأقل حتى تحرير النفوس والأقلام المرتهنة الى مشاريع خارج حدود الوطن.
ولكن أن يتطاول ناشر جريدة "السفير" طلال سلمان على البطريرك الماروني فهذا ما يفترض أنه ليس من شيم سلمان!
ففي افتتاحيته "المباركة"، يشكر الصحافي "الزميل" ربّه، لان البطريرك الماروني لم يستعمل في زيارته الى زحلة، اللغة "الانقسامية"، وهجر موقتا ذاك الخطاب المستفز والمستهجَن صدوره عن مرجع ديني! (لقراءة المقال إضغط هنا)
سؤال بسيط من معرض المستفسر وليس المستفز لسلمان، ما رأيه بخطاب سيد "الذين لا صوت لهم" حسن نصرالله، الذي بحسب علمنا، هو الآخر يفترض أنه رجل دين؟ أليس مستهجنا مثلا، أن يحلل دماء نحو 70 شهيدا في ذاك السابع من أيار 2008، وتتحول الدماء على لسانه المبارك، الى يوم مجيد؟؟ أم لعل الخطاب "المستفز والمستهجن" هنا، مبرَر من رجل دين، ولا ينحدر ثوب رجل الدين الذي يلبسه، الى موقع "الطرف في مخاصمات ومناكفات متخذة من ثوب الكهنوت، الغطاء لاغراض مؤذية للرعايا في دينهم ودنياهم"…!!!!
يصبح فئويا ومستفزا من كان السبب، بعد زيارة الجبل الشهيرة عام 2001، والتي تلاها 7 آب الشهير، بتحرير الناس المقموعة من نير الاحتلال السوري، وانطلاقة شرارة الكرامة والسيادة، التي بفضلها يتمتع الصحافي الفاضل بمساحة الحرية تلك، أو لعله لا يتمتع، لأنه أدمن الاغلال والعبودية والذل "وأمرك سيدنا"؟!
زعل سلمان من الاعلام واليافطات الحزبية، التي طغت على الزيارة، وصوّرت وكأن البطريرك حلّ ضيفا على تنظيم "طارىء عليها، جاء من خارج علاقتها بمحيطها، وضمن افق سياسي لا يعبر عن روحيتها"!!
للصحافي الكريم ابن البقاع نقول، إن هذا "التنظيم"، أي "القوات اللبنانية"، هو ابن زحلة والبقاع، وهو السبب في استمرار الحرية غير الطارئة على زحلة، وفي صمودها بوجه من كان يريدها دمارا وتبعية. "التنظيم الطارىء" من أبناء زحلة هم الذين أمّنوا أن تبقى زحلة عاصمة الصمود والكرامة، وهم من جعلوها مدينة تكتب عنها الصحافة العالمية، قبل العربية والمحلية، انها المدينة التي قاومت المحتل السوري، وطردته في عزّ قوته الى خلف جبالها وحدودها، في حين كان يُطبق على كل لبنان. هؤلاء هم الطارئون عليها الذين استقبلوا البطريرك الماروني.
يتساءل سلمان في افتتاحيته، عما اذا كان هذا هو البقاع الذي "شرقه سوريا وشماله سوريا وجنوبه فلسطين". و – وهنا قمّة الكلام- اذ يتوجه سلمان بالنصح للبطريرك الماروني بطل الاستقلال، بأن من يستعدي اللبنانيين على سوريا ومن يستعدي سوريا على اللبنانيين لا يخدم السيادة والحرية والاستقلال!!
هيدي آخر الدني! لكن رغم ذلك نؤكد لسلمان ولسواه، الخبر اليقين مرة أخرى: نعم هذا هو البقاع ما غيره، ولن يتغير، وسيصبح أكثر عنادا لأنه محاط تحديدا، بسوريا شرقا وشمالا وباسرائيل – اسرائيل- جنوبا يا صديقي، وليس فلسطين، حتى الساعة، ولا داعي للتذاكي والتلاعب على الجغرافيا وعلى الكلام، فلست ضنينا على القضية الفلسطينية مثل أهل البقاع وتحديدا "الطارئين" عليها، ليس من فرط حبنا للفلسطينيين، فنحن لا ندّعي ولا نلبس الاقنعة، انما من فرط حبنا للبنان، نريد لهم الحرية لنتحرر نحن ايضا، ولنتخلّص من نغمة التخوين، ومن ذريعة وجوب وجود سلاح "حزب الله" ذاك. وعلى الأقل لا يفترض أن تزايد على الرئيس السوري الذي تعشقه وقصدته مع "العائلة" الصغرى في السفير… وأوليس بشّارك هو أوّل من يعترف بإسرائيل ويجري مفاوضات معها، مرة بصورة مباشرة ومرة بطريقة غير مباشرة؟!
وبالمناسبة، لا داعي للتمني بأن ينعش هواء البقاع العليل ذاكرة البطريرك، ليتذكر في عظاته المقبلة ان "ابناء الملحقات صانوا وحدة وسلامة الوطن وان الميليشيات التي "حاصرته" في في دار السلام تهدده مرة أخرى". فقط للتأكيد ان هؤلاء المقاومين الحقيقيين وليس "الميليشيات" سيهددون مرة أخرى، اذا ما اراد المحتل اياه أن يعيد التاريخ نفسه، أما "الميليشيات" فهم أصدقاء سلمان الذين يحملون السلاح خارج الشرعية ويوجهونه الى صدور مواطنيهم.
أما نحن فنؤكد لسلمان أننا سنبقى هناك فوق، متربصين، وسنبقى نتلطى بعباءة بكركي حتى تقوم القيامة، لأن التاريخ- وأفترض أنك تقرأ التاريخ لذلك انت مزعوج ومقهور وحاقد الى هذا الحدّ- لان التاريخ وعلى مر الاحتلالات المتعاقبة على لبنان، لولا بكركي لما عرف لبنان الاستقلال الاول، ولما عرف لبنان حدوده المعترف بها، اولا دوليا وثانيا ربّانيا. وان كنت من طائفة كريمة اخرى، لا شك تعرف ان أرض لبنان مذكورة في الانجيل المقدس أكثر من سبعين مرة، وان من هنا مرّ السيد المسيح، وان هذه الارض مهما مهما تطاولت عليها اياد ستبقى للبنان والارض لاهلها.
أما عن عتب المنطقة على البطريركية المارونية، والتي قد تنتظر 72 سنة أخرى وهي المدة بين زيارتين بطريركيتين، لا شك ان السيد سلمان يعرف أكثر منا، أن ولا مرة انقطعت البطريركية المارونية عن التواصل مع ابنائها، أحيانا بصورة مباشرة وأحيانا أخرى عبر المطارنة والرعايا، وان زحلة طيلة ثلاثين عاما من الاحتلال السوري المباشر، كانت وما زالت تخشى على البطريرك الماروني من غدر الغدّارين، والسيد سلمان أدرى منا بهم. اضافة الى ذلك، فهذا شأن رعوي لا علاقة له به، ولسنا مضطرين لتبريره أو تفسيره. حسب السيد سلمان وسواه، أن يعيشوا بكرامة في ظل بطريرك، جعل من كرسيه منبرا للكرامة، ومن ثوبه صليبا يمشحه على دماء الشهداء وأوّلهم شهداء زحلة، ومن صوته المدوي في كل أصقاع الارض، رسالة انذار وتحذير للعالم باسره، ان لبنان مهدد بكيانه بسلاح يدّعي الالوهية بينما تمتد ذراعه الى بيادر قمحه وخبزه، ومن جيران يدّعون الاخوّة وهم يمعنون في التمزيق، ومن أقلام تدّعي الانتماء الى قضية الوطن، لكنها اعتنقت قضايا الآخرين وصار انتماؤها أبعد أبعد من الحدود .
وبارك يا سيّد… ذاك السيّد الساكن قصر الايمان في بكركي، وأيضا المرتهنين الذين يسكنون "مملكة السجون" ويباركون الجلاّد والسجان.