التقاء الزعماء على رد الفعل لا يخلو من التوظيف المصلحي
تغييب بناء الدولة يفسح لتصاعد المخاوف المسيحية
أثناء تطورين مهمين تمثل احدهما في الزيارة التي قام بها البابا بينيديكتوس السادس عشر لجزيرة قبرص اخيرا ونشر الفاتيكان وثيقة للشرق الاوسط والآخر في زيارة البطريرك الماروني ما نصرالله بطرس صفير لفرنسا اثير بقوة موضوع "اختفاء" المسيحيين وتراجع وجودهم في الشرق. واعتبرت الوثيقة ان هذا التراجع او الاختفاء هو خسارة لتعددية المنطقة علما ان النقاش سيكون متاحا في الموضوع ابان انعقاد المجمع من اجل الشرق الاوسط في الفاتيكان في تشرين الاول المقبل في حين ان البطريرك صفير لم يكتم امام الرئيس نيكولا ساركوزي ان استمرار الهجرة يهدد التوازن الديموغرافي ويفقد لبنان ميزته. وهذا الكلام لا يمكن اعتباره جديداً ما دامت التحذيرات قائمة في شأنه منذ الحرب لكن كل ذلك اكتسب معاني وابعادا جديدة مع التناقص التدريجي المتسارع والمخيف للمسيحيين في المنطقة انطلاقا من فلسطين وصولا الى العراق ولبنان وحتى سوريا وان بنسبة اقل.
وفي ثلاث مناسبات داخلية علا صراخ المسيحيين ككتلة واحدة متجاوزين الصراعات في ما بينهم وسط محاوف طارئة. احداها كانت لدى مناقشة خفض سن الاقتراع الذي كان يطالب به افرقاء مسيحيون وتراجعوا عنه حين بات استحقاقا له تداعياته المستقبلية. والثانية كانت لدى اقتراح رئيس مجلس النواب نبيه بري الغاء الطائفية السياسية ودخول افرقاء مسيحيين على خط الجدل المحتدم في هذا الموضوع. والمحطة الثالثة كانت الاسبوع الماضي حيث اثير موضوع اعطاء الفلسطينيين حقوقاً مدنية، إذ شهد مجلس النواب اصطفافا طائفيا كانت له مبرراته من حيث المبدأ بسبب المقاربة غير المدروسة للموضوع لكن الخلاصة التي انتهت اليها للرأي العام الداخلي والخارجي هي مدى الخوف الذي يشعر به المسيحي او يشعرونه به على نحو لا يخلو من توظيف من الزعماء المسيحيين انفسهم على تعزيز شعبيتهم. اذ بحسب مصادر مسيحية من خارج الزعامات التقليدية فان هذا الخوف المسيحي ليس جديدا وقد عاشه المسيحيون طوال مدة وجودهم على هذه الارض بدليل ان لبنان كان ملجأ لهم في الواقع ولتخفيف هواجسهم. وخلال فترة الحرب وقبل ذلك ايضا بكثير لم يجد المسيحيون العقلاء من سبيل للاطمئنان الى مستقبلهم في لبنان سوى بناء الدولة باعتبار ان المواطنية تلغي او تخفف الطائفية وتؤمن المساواة امام مؤسسات الدولة. في حين ان ما جرى حتى الان وما يحصل هو في الواقع تغييب لواقع بناء الدولة على ايدي الجميع بمن فيهم الزعماء المسيحيون الذين لم يعودوا يأبهون لهذه المسألة بل يتعاطون مع واقع الامور ويخضعونها لمصالحهم الخاصة. اذ على رغم التقائهم الموضوعي في رد الفعل على كل الاقتراحات التي طرحت ورأوا فيها تهديداً لوجودهم فان اي التقاء لا يحصل لاسباب وجيهة وموضوعية على غرار تلك التي عبر عنها كل من البابا والبطريرك بحيث تؤمن الحد الادنى من الاطمئنان للمسيحيين. علما ان مصادر سياسية معنية ترى ان الزعماء المسيحيين يوظفون كل من جهته ما حصل في المحطات الثلاث الداخلية وحتى ما قاله البابا والبطريرك من اجل تعزيز شعبيته والظهور مظهر المدافع عن المسيحيين ووجودهم ومستقبلهم. وقد رأى البعض في بعض الامور التي حصلت اخيرا استعدادا اضافيا لدى قوى مسيحية لانزلاق قوي نحو تجاوز الدولة ومؤسساتها علما انه قد يكون لهذا الانزلاق ما يبرره في رأيهم ما دامت الطوائف الاخرى لا تقصر عن القيام بذلك مع فارق ان المسيحيين كانوا اكثر تمسكا بالدولة ومؤسساتها على مدى العقود الماضية وفقا لمفهوم ان الدولة هي التي تحمي في حين ان هذا الامر لم يعد الاولوية في اداء غالبية الزعماء المسيحيين ولا في ادبياتهم السياسية. والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى.
وهذا الامر يعيه البطريرك الماروني الذي يشدد باستمرار على ضرورة بناء الدولة وانطلاقتها وترسيخ سلطتها بقواها الذاتية من اجل التخفيف من الهجرة وتوفير الطمأنينة للمسيحيين للبقاء في ارضهم في حين يأخذ كثر على بكركي نفسها وسيدها عدم القيام بالكثير ايضا على هذا الصعيد شأنها شأن الافرقاء السياسيين مع فارق سعي هؤلاء، دون بكركي، الى تأمين مصالحهم دون مصلحة الطائفة. والى الآن لم تظهر جدية داخلية في معالجة اي من المواضيع التي طرحت اللهم باستثناء ابداء ردود فعل عنيفة كانت في محلها لكن لا يتعدى مفعولها اطار التأجيل الى مرحلة لاحقة بحيث لا يضطر الزعماء الحاليون الى مواجهتها على ان يواجهها غيرهم ولئلا يكونوا من يدفع في اتجاه بناء الدولة اكثر من غيرهم او من دون غيرهم من الطوائف. و"الانكى" من ذلك ان هذا الواقع لا يلقى ايضا اهتماماً على صعيد المجتمع المدني علنا او في لقاءات خاصة او ندوات او اي شيء من هذا القبيل انما يبقى اسير بعض النقاشات الخاصة.
وعلى رغم ان البيانات التي وزعت في شرق صيدا قوبلت باستهجان كبير من زعماء وطوائف اسلامية فان مصادر معنية تخشى من ان يفعل الترهيب فعله في حال تكرار الامر وحتى لو لم يغادر المسيحيون مناطق وجودهم الحالية فورا. فتهديدات وأخطار مماثلة هي التي هجرت المسيحيين من القدس والعراق مع اختلاف الظروف والاسباب، ولم ينجح الفاتيكان في وقف هذا النزف او في طمأنة المسيحيين الى وجودهم في المنطقة حتى الآن مع الاقرار بان لا وصفة سحرية لمعالجة موضوع شائك وحساس الى هذا الحد.