#adsense

عريضة تطالب بإنقاذ وادي قاديشا وقعها رئيس الجمهورية والآلاف في العالم ووزير الثقافة يطلب مساندة الوزراء وتحويل الموقع محمية طبيعية

حجم الخط

كتبت مي عبود ابي عقل في "النهار": تفاعلت القضية التي اثارتها "النهار" عن التهديد بادراج وادي قاديشا في "لائحة المواقع المهددة بالخطر"، وهي الخطوة الاولى التي تسبق اسقاطه من "لائحة التراث العالمي" في منظمة "الاونيسكو" بعد مضي 12 عاما على ادراجه فيها كمنظر ثقافي – طبيعي يضم نحو 200 موقع، تتوزع بين اديرة ومغاور وكنائس وكهوف اثرية تتداخل مع طبيعة وعرة استخدمها الانسان وعاش فيها ليستطيع الثبات في هذا الوادي، وممارسة معتقداته وايمانه بحرية وبعيدًا من الاضطهاد.

فعلى اثر التحقيق المدعم بالصور الحية الذي نشرته " النهار" في 20 ايار الفائت عن الحال المزرية التي تسود وادي قنوبين، والتعديات والمخالفات الكبيرة التي تجتاحه على مختلف الصعد، تحرك الرأي العام والاعلام واثير الموضوع داخل مجلس الوزراء، وتم التشديد على ضرورة تطبيق الشروط التي تضعها "الاونيسكو" لحماية مواقع التراث العالمي، وفي مقدمها وضع مخطط ادارة الوادي قيد التنفيذ، تمهيدا للمباشرة سريعا بخطة عمل لحمايته.

المخالفات والانتهاكات
المخالفات الانشائية في وادي قنوبين ليست جديدة وهي تعود الى عام 2003 حيث رفضت اجهزة وزارة الداخلية في حينه تطبيق القانون وازالتها، واكتفت بهدم مخالفتين صغيرتين لذر الرماد في العيون. وهذا ما جعل المخالفات تتفاقم والمعتدين على القانون وحرمة الوادي يتمادون من دون رادع. ومن ابرزها:

– إضافة طابقين من الإسمنت منذ عام 2003 على بناء قديم في العقار رقم 45 من منطقة قنوبين العقارية العائدة ملكيته إلى البطريركية المارونية، مقابل مطعم "أبو جوزف"، واستمرار شاغل العقار ريمون يونان بالمخالفات لغاية تاريخه (إنشاء خيمة من الحديد فوق المنزل، تشييد غرفة خلف المنزل، توسيع الطريق أمام مدخل المنزل لركن السيارات…)
– إشادة بناء مخالف من طابقين على العقار رقم 46 من منطقة قنوبين العقارية من ديب يونان، مالك مطعم "أبو جوزف"، وإضافة مصطبة من الباطون مع أعمدة من الإسمنت وخيمة إترنيت مع تركيب زجاج بهدف "تسكير" المساحة أمام المطعم لإستعمالها في الشتاء.
– إنشاء بناء من طابقين على العقار رقم 38 من منطقة الديمان العقارية الذي لم يكن يحتوي أصلاً على أي بناء أو حتى "بناء قديم العهد" وفق ما ورد في المحضر الموضوع من مخفر حصرون عدد 179/204 تاريخ 20/11/2009 .
– إضافة بناء من الباطون على مبنى مطعم "غرين لاند" في منطقة حدشيت عند الجهة الشرقية من مدخل الوادي .
– أعمال بناء وترميم لا تتطابق مع المعايير العلمية التي تجري على بعض الأديرة مثل تنفيذ البناء المسمّى "بيت الزوار" قرب دير مار أنطونيوس قزحيا، خلافا تماما للخرائط التي وافقت عليها المديرية العامة للآثار و" مركز التراث العالمي."".
– إضافة منشآت إلى مبنى دير مار ليشع القديم.
– إنجاز بعض الأعمال في دير قنوبين كتبليط الساحة الخارجية وتركيب درابزين ومشروع إنشاء المراحيض قرب الدير.
– تركيز "كيوسك" حديد لبيع المأكولات عند آخر الطريق المؤدي إلى دير مار ليشع.
– تركيز "كيوسك" خشب خلف نقطة الهاتف قبل معمل الكهرباء في قاديشا.

الى هذه المخالفات الانشائية تضاف التعديات والانتهاكات التي لا تراعي حرمة الوادي وطبيعته الروحية والبيئية ومنها : انتشار النفايات والاوساخ في انحائه وحرقها في احراجه مع كل ما يسببه ذلك من تلوث بيئي وخطر اندلاع الحرائق ، مشكلة الصرف الصحي وانحدار شلالات المياه الآسنة والمجارير الى نهر قاديشا ، سباقات مركبات ATV التي يمارسها الشباب بين طرقاته الترابية الضيقة نافثة سمومها على نباتات الوادي واشجاره، نصب الكركة واستخراج العرق في قلب الوادي المقدس، اقامة الحفلات والنزهات في ارجائه مع كل ما يرافقها من غناء ورقص وموسيقى صاخبة وأكل وشرب في قلب الوادي المقدس، انتشار المطاعم والمقاهي من دون تنظيم ومراعاة لحرمة الوادي، قطع الاشجار الحرجية وغيرها من المخالفات التي تكاد تفقده ميزته وخصائصه الروحية وقيمه الروحية وتؤثر تاليا على دوره كمكان للحج الديني وتهدد سلامته واصالته.

وردة
كل هذا جعل وزير الثقافة سليم وردة يتحرك رسميا في اتجاهات عدة ويوجه كتبا ومراسلات الى الوزراء المعنيين، وكان سبق ان وجه في ايار الفائت كتابين الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والبطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، ووضعهما في اجواء المسائل السلبية التي يتعرض لها الوادي خصوصا ان "واقعه الحالي اصبح يجيب على المعيارين الثاني (افتقار سياسة صون الممتلك) والسادس (فقدان الموثوقية الثقافية) من معايير الخطر مما يهدد بادراجه في لائحة المواقع المهددة بالخطر"، ولفتهما الى "القلق الذي يبديه "مركز التراث العالمي" من التفاقم السلبي لوضع الوادي وما سينجم عنه من تأثير مباشر على قيمته العالمية الاستثنائية "، وطلب "مساعدتهما في الحفاظ على هذا الارث الثقافي – الطبيعي الذي اصبح ارثا للانسانية جمعاء"، مبديا استعداد وزارة الثقافة "للتنسيق مع البطريركية ومختلف الاطراف الرسمية والخاصة لمعالجة تدهور الوضع الذي اصبح يتعدى الحد المقبول، وتصويب المسار بما يضمن استمرار الحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية لوادي قاديشا، وتفادي ادراجه في لائحة المواقع المهددة بالخطر خصوصا أنه المعلم الماروني الوحيد المدرج في لائحة التراث العالمي في منظمة الاونيسكو".

الداخلية
في 24 ايار الماضي، وجه وردة كتابا الى وزير الداخلية والبلديات زياد بارود عدد فيها المخالفات الانشائية الحاصلة في وادي قاديشا، وطلب "التعاون من اجل الحفاظ على وادي قاديشا وتفادي شطبه من لائحة التراث العالمي بمعالجة التدهور الذي يطال الموقع ووضع حد لأي انتهاك مستقبلي، والإيعاز لمن يلزم للعمل بالسرعة الممكنة على إزالة كافة المخالفات والتعدّيات الحاصلة في وادي قاديشا وإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقا، والتأكيد على الجهات المعنية، وخصوصاً البلديات، بوجوب التشدد في تطبيق القوانين التي يخضع لها هذا الوادي وتاليا اتخاذ الاجراءات المناسبة لمنع اقامة اي انشاءات ( ثابتة او موقتة) او اجراء اي اعمال ضمن الوادي ومحيطه المباشر من دون موافقة مسبقة من المديرية العامة للآثار، وفقا لما تقتضيه الاصول القانونية المرعية الاجراء".

البيئة
ما يجري يظهر ان ادراج وادي قاديشا في لائحة التراث العالمي ليس كافيا لحمايته من جشع البعض وجهلهم، ولهذا اقترح "مركز التراث العالمي" على الدولة اللبنانية اصدار قانون بتحويله "محمية طبيعية" فيصبح خاضعا لحمايتها ومسؤوليتها المباشرة. ويبدو ان الوزير وردة تبنى هذا الطرح وتوجه الى وزارة البيئة بكتاب يطلب فيه "التعاون لمعالجة التدهور البيئي الذي يطول الموقع ووضع حد لأي إنتهاك مستقبلي له، وتحسبا من إستمرار تفاقم الوضع وإنعكاس الضرر البيئي سلباً على التوازن الطبيعي من نبات وحيوان، والعمل بالسرعة الممكنة من جهة على إعداد دراسة لتقييم الأثر البيئي الحالي على الوادي وحرم الحماية المحدد له، وتالياً معالجة الأضرار الناتجة عن العوامل المؤثرة وفقا للأصول (إقامة محطة تكرير للمياه المبتذلة، معالجة النفايات الصلبة…)، ومن جهة أخرى على إعتبار وادي قاديشا محمية طبيعية لها إطار قانوني خاص"، لافتا الى " توالي التعدّيات والمخالفات في هذا الوادي المقدَّس من دون أي رادع، ومنها على الصعيد البيئي موضوع الصرف الصحي في قرى الوادي عبر تحويل المياه المبتذلة إلى نهر قاديشا، ورمي نفايات القرى في الوادي وحرقها والتسبب بالتلوث، والحرائق، والصيد وإنتشار المواشي".(…)

السياحة
المخالفات والانتهاكات تشمل ايضا الناحية السياحية في الوادي المقدس، ومنها "استغلال مساحات في مشاريع سياحية من مطاعم وخلافه، والضغط السياحي غير المنظم، ودخول السيارات بكثافة، وممارسة النشاطات الرياضية والترفيهية… وكلّها أمور أصبحت تفقد الوادي تباعاً دوره الأساسي كمكان للحج الديني وبالتالي جزءاً كبيراً من أصالته وسلامته والأسباب التي أدت إلى إدراجه في "لائحة التراث العالمي". وهذا ما دفع وزارة الثقافة – المديرية العامة للآثار" إنطلاقاً من دورها ليس الرقابي على وادي قاديشا فحسب، وإنما أيضاً التنسيقي بين مختلف الأطراف الرسمية والخاصة فيما خص هذا الوادي" الى التوجه ايضا الى وزارة السياحة كونها "المسؤولة مباشرة عن إعطاء الرخص للمطاعم والمقاهي وايجاد البنية التحتية اللازمة لها، وتحسبا من إستمرار تفاقم الوضع وإنعكاس الديناميكية السياحية العشوائية سلبا على وادي قاديشا"، وتمني "التعاون الإيجابي والعمل بالسرعة الممكنة من جهة على وضع دراسة عن وضعية المشاريع السياحية القائمة حالياً ضمن الوادي وحرم الحماية المحدد له ومعالجتها وفقا للأصول، ومن جهة أخرى على إعداد مخطط توجيهي ضمن رؤية شاملة ومتكاملة من أجل تعزيز السياحة الثقافية والدينية والبيئية إلى الوادي كما إلى القرى المحيطة مباشرة به يكون قابلاً للتنفيذ، وآخذاً في الإعتبار الحاجات المتعلقة بالبنى التحتية السياحية كما على سبيل المثال لا الحصر: تأمين مواقف للسيارات، وتنظيم عملية دخول المجموعات إلى الوادي، وإنشاء مركز إستعلامات وخدمات ونقاط بيع (منشورات، كتب، تذكارات…)، ووجود أدلة سياحيين، ووضع لوحات تعريفية وتفسيرية، وإيجاد مسارات للزوار مع ضمان سلامتهم وسلامة المعالم، ومراقبة نشاط الزوار داخل الوادي، والمؤسسات السياحية (فنادق، مطاعم…. )"

بارود يتحرك
من جهته، تجاوب الوزير بارود مع طلب وزير الثقافة بتفعيل دور قوى الامن في الوادي وانشأ مخفرًا للدرك في ساحة معمل الكهرباء في الوادي منذ نحو شهر، واعطى تعليماته الصارمة بضرورة قمع اي مخالفة من اي نوع كانت وملاحقة اصحابها. كذلك اعيد احياء "مجموعة الحفاظ على وادي قاديشا" التي عينت المهندس رياض كيروز مديرا اداريا لها، وتكمن مهمتها الاساسية في "السهر الدقيق على المحافظة على هذا الموقع، والعمل على التنمية المستدامة في الوادي والمنطقة المحيطة به، وابقائه تراثا حيًا لان الانسان هو الاساس وبقاؤه في الوادي امر حيوي" على ما يؤكده كيروز الذي لفت الى " ان مركز الدرك الذي تبرع به اتحاد البلديات لا يزل شاغرا وفارغا لاسباب لوجستية على ما قيل لنا"، متمنيا على وزير الداخلية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي "معالجة الامر لأن خطتنا لتنظيم سير الحافلات والبوسطات والسيارات في المنطقة رهن وجود هذا المخفر وقوى الامن". ودعا من ناحية اخرى، المجموعات المنظمة والمؤسسات التربوية والدينية والاجتماعية التي ترغب في زيارة الوادي، الى التنسيق مع " مجموعة وادي قاديشا" لتنظيمها وتحضيرها قبل حصولها لتجنب اي مشاكل او اشكالات يمكن ان تحصل.

كذلك يجري الاعداد لتنظيم ورشة عمل تقيمها وزارة الثقافة ومكتب "الاونيسكو" الاقليمي قريبا وتضم خبراء واختصاصيين ومواطنين يعيشون في مناطق او مواقع مصنفة على لائحة التراث العالمي، ليشرحوا لاهالي وادي قاديشا وفاعلياته حسنات هذا التصنيف وتأثيره الجيد في الحياة في الموقع والتحولات الايجابية التي تنعكس على القاطنين فيه.

اعلام وعريضة
على صعيد آخر توالت البرامج التلفزيونية والاذاعية، بعد نشر هذا التحقيق، لالقاء الضوء على وضع وادي قنوبين وشرح واقعه وبث التوعية بين المواطنين على ضرورة الحفاظ عليه واهمية حمايته وميزة ادراجه في "لائحة التراث العالمي". واطلقت محطة MTV حملة لتوقيع عريضة تحذر من ان" وادي قنوبين الذي يضم اقدم الاديرة المسيحية مهدد بالشطب من لائحة التراث العالمي بسبب مخالفات البناء وقطع الاشجار وحرق النفايات وشلالات مياه الصرف الصحي وضجيج المطاعم وسباقات مركبات ال ATV. وقد فشلت الوزارات المعنية بوضع خطة عمل لحمايته وادارته. لذلك، من الضروري جدا توقيع العريضة للضغط على السلطات المحلية والوزارات والادارات المعنية واجبارها على تطبيق القانون وقمع المخالفات وتاليا الحفاظ على الوادي". وكان من اوائل الموقعين عليها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزير الثقافة سليم وردة ووزير السياحة فادي عبود. ووصل عدد الموقعين حتى يوم امس الى نحو 5900 شخص من مختلف انحاء العالم.

                                                                                              • • •
في تموز المقبل، ستعقد "لجنة التراث العالمي" اجتماعها السنوي لدرس اوضاع المواقع المدرجة في "لائحة التراث العالمي"، وقد تشطب بعضها من اللائحة نهائيا، او تنقل بعضها الى لائحة " المواقع المهددة بالخطر"، وتضيف اخرى وتدرس طلبات مقدمة اليها. وهي فرصة لنا، بعد فترة سماح منحتنا إياها بسبب الظروف السياسية التي مر فيها لبنان وبعد رسائل وتحذيرات عديدة وجهت الينا منذ أعوام، ان نبرهن للعالم، ولانفسنا اولاً، اننا نستحق ما اكرمنا به الله من تراث وطبيعة وبيئة، وان نحمي موقعنا التراثي العالمي وهويته الروحانية وقدسيته من الاندثار، واننا نستأهل فعلا "وادي القديسين".

المصدر:
النهار

خبر عاجل