…. يستحق الموقف اللبناني من سفن كسر الحصار – والتي من المقرر لها أن تبحر من الموانئ اللبنانية – التقدير، على اعتبار انه يعبّر عن رؤية غاية في الدقة، خصوصاً لجهة التأكيد على أن لا سفن تبحر من الموانئ اللبنانية باتجاه شواطئ فلسطين المحتلة، لأن لبنان أساساً لا يعترف بإسرائيل.
.. وزير الاشغال العامة غازي العريضي كان واضحاً عندما قال "إن لبنان سيسمح لهذه السفن بالإبحار نحو قبرص، وعلى الاخيرة أن تأخذ القرار بالسماح بالإبحار نحو غزة من عدمه، أولاً، لأن لبنان لا يعترف بإسرائيل، وهي كيان عدو، وثانياً، لأنه ملتزم بتنفيذ القرار الدولي الرقم 1701"، وهذا موقف ينم عن إدراك عميق، وهو لا يتعارض بتاتاً مع تأييد لبنان المطلق للسفن التي تحاول خرق الحصار على قطاع غزة، والآتية من أنحاء العالم وبحوره.
… ولبنان يعلم تمام العلم أن الاسرائيليين لا يحتاجون الى تبرير للاعتداء عليه، ولكنه في الوقت عينه مصر على عدم إعطاء أي ذريعة لإسرائيل لشن عدوان تحت أي حجة، ومن هنا، فإن السفن المقرر لها أن تنطلق من الموانئ اللبنانية وضعتها اسرائيل ضمن إطار العمل الحربي، وسارعت الى الادعاء بأن ايران تقوم بتمويلها، ثم اطلقت حملة عالمية زعمت فيها ان المشاركين في هذه الحملة هم من "حزب الله"، وكل هذا غير صحيح على الاطلاق، والغاية إيجاد الحجة للاعتداء على هذه السفن، ما سيؤدي الى شن الحرب ضد لبنان.
… المشكلة الكبرى أن الاسرائيليين الذين شنوا عدواناً وحشياً صارخاً على "اسطول الحرية"، وأطلقوا الرصاص عمداً على الناشطين الاتراك المشاركين والعزل، لم يأخذوا في الاعتبار أن تركيا دولة إقليمية كبرى، وهي عضو في الحلف الاطلسي، وتمتلك قوة عسكرية كبيرة، إضافة الى ان لها علاقات مع اسرائيل وتعاون عسكري، ومع كل ذلك اعتدت على سفينة تركية، وقتلت اتراكاً، ولم تكترث بأن ذلك سيؤدي الى انهيار العلاقات التركية – الاسرائيلية، وهذا ما حصل فعلاً.
كل بيانات الشجب لما فعلته اسرائيل، وكل المواقف المستنكرة، وحتى قرار مجلس الامن الدولي لم يردع اسرائيل، وهي أعلنت انها مصرّة على تكرار التجربة الدموية مهما كانت النتائج.
… وبالطبع، لا نستطيع مقارنة قوة تركيا عسكرياً واقتصادياً بلبنان الصغير والضعيف الامكانيات، ما يعني ان السفن المنطلقة من الموانئ اللبنانية ستكون عرضة للاعتداء الوحشي، وأخذ أسرى لبنانيين الى المعتقلات الاسرائيلية، وجلهم من السيدات، فكيف إذا سيكون الموقف، وكيف للبنان أن يتحمّل وضعاً على هذا المستوى؟
.. إن اسرائيل اليوم مصابة بالرغبة الجامحة في الانتقام من لبنان لإعادة الاعتبار الى هيبة الردع في جيشها، وتصعيدها للموقف قبل انطلاق سفن فك الحصار من الموانئ اللبنانية يعني انها أصبحت متأهبة لشن عدوان واسع، ولبنان دخل في موسم الاصطياف الذي يعول اقتصادياً عليه الكثير، ما يجعل الوضع في أعلى درجات الخطر.
.. من هنا، جاء موقف الحكومة اللبنانية الحكيم للغاية بالإعلان وبصراحة انها لن تسمح للسفن بالإبحار من الموانئ اللبنانية نحو بحر غزة مباشرة، لأن لا طرق بحرية ولا برية ولا جوية مع الاحتلال الاسرائيلي، ولا اعتراف بهذا الكيان العدو على الاطلاق، وبالتالي، فإن هذا الموقف هو لسحب الذرائع من اسرائيل أمام العالم كله.