كتب ميشال أبو نجم في "الشرق الأوسط": "ما هو الطريق المفضي إلى دمشق؟" عنوان التقرير الذي أعدته لجنة برلمانية فرنسية منبثقة عن لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية ترأستها النائبة الاشتراكية إليزابيث غيغو، وزيرة العدل السابقة مستشارة الرئيس فرنسوا ميتران. ومن أجل التوازن الداخلي، فإن النائب اليميني الوزير السابق رينو موزولييه تولى مهمة مقرر اللجنة التي ضمت أيضا 9 نواب من الصف الأول بينهم رئيسان سابقان للجنة الشؤون الخارجية (ميشال فوزيل وفرنسوا لونكل) وآخرون متابعون لملف الشرق الأوسط وللعلاقات الفرنسية – اللبنانية والفرنسية – السورية.
وعقدت غيغو مؤتمرا صحافيا الثلثاء لعرض خلاصات التقرير المكثف الواقع في 142 صفحة تنقسم إلى مقدمة وخلاصة وفصلين وملاحق. ولأجل إعداد التقرير، زارت اللجنة سوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية وإسرائيل والتقت مسؤولين (بينهم الرئيس اللبناني ميشال سليمان ورئيس الوزراء سعد الحريري، ورئيس الوزراء السوري ناجي العطري ووزير الخارجية وليد المعلم ووزير خارجية الأردن ناصر جودة) وشخصيات سياسية وسفراء ودبلوماسيين فرنسيين وأجانب وممثلين للمجتمع المدني ورجال دين. ومن بين الذين التقتهم في دمشق أسماء الأسد، عقيلة الرئيس السوري.
ويعالج التقرير في الفصل الأول المسمى "علامات الانفتاح المؤكدة" تقارب النظام السوري في دمشق مع الغرب (فرنسا التي فتحت الدرب، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية) واللعبة الإقليمية (تركيا، إيران) والعلاقات المعقدة مع العراق والمصالحة مع المملكة العربية السعودية والأردن و"البرودة" مع مصر.
وفي الفصل الثاني، يتناول التقرير ما يسميه "التردد السوري" في تطبيع العلاقات مع لبنان أو تأكيد الانفتاح على الغرب. غير أنه يفرد مكانا واسعا لمعالجة العلاقات الاستراتيجية السورية – الإيرانية وموضوع السلام في الشرق الأوسط من الزاوية السورية – الإسرائيلية لينتهي بالمرور على المشكلات السورية الداخلية (حقوق الإنسان، موضوع الحريات..).
يقول التقرير إن سوريا تبدو "مترددة" في التخلي عن عدد من "المكونات الأساسية" لسياستها الخارجية والداخلية التي يقودها النظام السوري على الأقل منذ ثلاثة عقود "لأنها تعتبر من الضروريات للمحافظة على النظام" ومن بينها النفوذ السوري على لبنان بأي شكل كان والوقوف بوجه إسرائيل والتحالف مع إيران و"قوى المقاومة" التي من شأنها إعطاء "عمق استراتيجي" لسوريا و"قدرة على الإزعاج" تفوق بأشواط ما يوفره جيشها أو شعبها أو اقتصادها. وعلى المستوى الداخلي، يمارس النظام ضغوطا قوية على كل ما يمكن اعتباره "احتجاجا" على النظام الذي جعل من تحسين المستوى المعيشي للسكان هدفه المعلن لتفادي تراكم أسباب النقمة "مع العلم أن ثمار الانفتاح الاقتصادي أفادت حتى الآن المحظيين فقط".
ويدعم التقرير في خلاصاته تحول الدبلوماسية الفرنسية باتجاه سوريا "ما ساهم في إبعادها عن المواقف المتطرفة والتبعية لإيران". وينتقد الذين يؤكدون أن سوريا "حصلت على ما تريد ولم تعط بالمقابل شيئا". ومن الأمثلة على "التعاون" السماح بعودة عمل المؤسسات في لبنان والمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل والرقابة على الحدود السورية – العراقية.
لكن التقرير يشير إلى أن سوريا "لم تنفذ كل ما طلب منها" كما أنها "لم تتخل عن رغبة ممارسة نفوذها على لبنان". وقالت إليزابيث غيغو، رئيسة اللجنة إن سوريا "ما زالت تمارس نفوذا مباشرا أو غير مباشر على لبنان" منددة بـ"الصورة الثلاثية" (الرئيسين السوري والإيراني وأمين عام "حزب الله" في قمة دمشق) التي غيبت مؤسسات الدولة اللبنانية. وكذلك فإن سوريا ما زالت تدعم المنظمات التي تعتبرها "مقاومة ولم تبتعد بشكل كاف عن إيران التي تدافع عن مواقفها بخصوص الموضوع النووي". غير أن اللجنة النيابية تتساءل: "ما الذي يقدمه لها الغرب لتقوم بهذه التنازلات الأساسية، علما أنه من الواضح والمشروع أن تدافع سوريا بالدرجة الأولى عن مصالحها؟".
وتدعو اللجنة الواهمين الذين ينتظرون ابتعادا سوريا عن إيران وتوقف سوريا عن دعم "قوى المقاومة" إلى التخلي عن أوهامهم لأن هذا الدعم إذا بقيت المنطقة من غير سلام يوفر لسوريا شرعية دولية وتضامن الشارع العربي. وبالمقابل، فإن التوصل إلى حل (قيام دولة فلسطينية، انسحاب إسرائيل من الجولان…) "سينزع من النظام السوري حجة استمرار فرض حالة الطوارئ" أو دعم "قوى المقاومة" التي تكون قد انتهى مبرر وجودها وأمحى الأساس الذي يقوم عليه التحالف السوري – الإيراني وهو العداء لإسرائيل بينما يتحول "حزب الله" وهو مستند النفوذ السوري في لبنان إلى حزب سياسي كالأحزاب الأخرى ويمكنه عندها أن يبتعد عن الجهات التي تسلحه".
ويدعو التقرير الاتحاد الأوروبي إلى القيام بدور سياسي "ترغب فيه دمشق والفلسطينيون" في النزاع العربي – الإسرائيلي.
في باب التوصيات، تنصح اللجنة الحكومة الفرنسية (وكذلك الاتحاد الأوروبي) في استمرار الانفتاح على سوريا والتعاون معها. غير أنها تدعو إلى التزام مبدأ "التبادلية"، بمعنى أن أي تعاون مع سوريا يفترض "بادرة" سورية مقابلة. وتذكر اللجنة أن "خريطة الطريق" التي وضعت بين باريس ودمشق لتطبيع العلاقات الثنائية نصت على "التزامات" سوريا في موضوع ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وفي موضوع الأسرى والمفقودين اللبنانيين. والحال، كما يقول التقرير، فإن التقدم "بقي محدودا وهو ما يتعين على فرنسا أن لا تقبله".
وتضيف اللجنة أن المطالب الفرنسية بخصوص عدد من السجناء السياسيين وتحسين وضع حقوق الإنسان في سوريا "لا يمكن أن تبقى من غير جواب".
ومع ذلك، ترى اللجنة أن سوريا استعادت "وزنها السياسي ودورا إقليميا مؤكدا" عبر إعادة نسج علاقاتها مع الدول المؤثرة على المسرح العالمي. كذلك فإن الرئيس السوري عرف أن يثبت سلطته وأن يدفع سوريا باتجاه الإصلاح مع المحافظة على التوازنات المعقدة داخل النظام والمجتمع. وبشكل عام، فإن تموضع سوريا اتخذ مسارا "إيجابيا" وإن كان بشكل بطيء في علاقاتها الإقليمية (تركيا، الجدول العربية) أو مع الغرب (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأميركية). ويحث التقرير على توقيع اتفاقية الشراكة السورية – الأوروبية سريعا وتمكين سوريا من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية "ما من شأنه أن يثبت تحول سوريا الإيجابي بشكل لا رجوع عنه".