حدثان في مرحلة واحدة: انتصار الانفصاليين في بلجيكا، عاصمة الوحدة الاوروبية، ودورة كأس العالم في جنوب افريقيا. في الاول، قلب اوروبا بالغة التقدم، يُظهر الانسان، من خلال حرية الاختيار، مدى ميله الى العزلة والتوحش، ومدى تبرمه بوجود الآخر وقلة طاقته على الشركة والتسامح وعمل الفريق. وفي الثاني تضيء تجربة المصالحة بين المُستعمِر والحر، بين الفقير والغني. والى جانب التجربة الداخلية، تشرق رياضة الفريق والجماعة، حيث يمكن ان تفوز فرنسا بلاعب من الجزائر، او مجموعة لاعبين سمر من مستعمراتها السابقة.
يعيش انفصاليو بلجيكا وكندا واسبانيا في افضل الانظمة الحديثة واكثرها تقدما، اجتماعيا واقتصاديا وتطورا علميا. ويحكم هذه البلدان مستوى مقبول جدا من القانون المدني والديموقراطية. ومع ذلك يعيش الانفصاليون بشارات وهواجس عصور الظلام. تضخ كندا في اقليم كيبك ما لا تمنحه لبقية المقاطعات، ومع ذلك يريد "الفرنسيون" الانفصال بلغتهم، التي تشبه (محكية) الكريول الهاييثاني اكثر بكثير مما تشبه لغة بول فاليري. ويسعى الانفصاليون، بكل حماسة وجدية، الى علاقة كاملة مع فرنسا التي تبعد نحو ثمانية آلاف كيلومتر، بدل جوارهم المحاذي مع مقاطعة اونتاريو، احدى اهم الاقتصادات والمجتمعات المتقدمة في العالم.
هذه هي الطبيعة البشرية، حيث لا علاقة للعلم والتطور بالسلوك الانساني. وما عاد العالم منقسما بين يسار عبقري ويمين غبي، كما يصنفه الاستاذ وليد جنبلاط، وفقا لمعايير الستينات، وانما اصبح، بعد زوال اليسار العبقري وبقاء اليمين الغبي، يقسم فئتين: الدول العاملة بالمثل الاخلاقية المتعارف عليها، والتي يضبطها القانون وحقوق الناس الشرعية، والدول والمجتمعات الرافضة لذلك. اليسار واليمين تسميتان رومانسيتان من زمن هوى فوق رؤوس اهله. ولو تابع الاستاذ جنبلاط صحف روسيا في الآونة الاخيرة كما يتابع "ذي نيشن" الاميركية التي يشير اليها باستمرار، لوجد انها – كلها – تدافع عن تصرف اسرائيل حيال قافلة الحرية، بعكس معظم مواقف اليمين الغبي في انحاء العالم. ولو تابع موقفي بلاد لينين وماو في مجلس الامن لرأى ان المسلك واحد بين اليسار العبقري واليمين الغبي.
او لعلنا لسنا في حاجة الى تصنيفات غير ثابتة. فلا شيء ثابتا او نهائيا في عالم السياسية. ولا يعرف المرء نفسه متى يكون في اليمين الغبي او في اليسار العبقري، فالسياسة عمل لاإرادي، خاضع للمتغيرات الخارجية لا للرغبات والمشاعر الداخلية.
فريقان هاجما مخيمات الفلسطينيين بالمدافع، بالتساوي، واحيانا بالتوازي: اليمين الغبي واليسار العبقري. وطوال سنين، او عقود، لم يعد اليسار العبقري يتلفظ بكلمة فلسطينيين. ولا داعي للجروح القديمة، فهي كثيرة، والاسوأ ليس انها كثيرة، بل انها عامة. والجرح واحد، سواء وقع في يمين النفس او في يسار الجسد.
جميل ان نتذكر الحقوق المدنية للفلسطينيين، بعدما اخجلنا الايرلنديون والاتراك وناحوم تشومسكي وعاموس عوز ويوري افنيري. الاجمل هو من كانت لديه الجرأة الادبية على قول هذا الكلام قبل 15 عاما. فالجانب الانساني من المسألة الفلسطينية هو جانب انساني منذ 1948 وليس منذ الشهر الماضي. وكذلك الجانب المأسوي وكذلك العار العظيم المعروف بصبرا وشاتيلا.
لا تكون تسوية اوضاع الفلسطينيين بإحداث نزاع بين اللبنانيين. وكيف يمكن ان تطبق التوافقيات على سقم بليد مثل تنقلات الموظفين، وتتحول الى نزاعات في قضية كبرى مثل وضع الفلسطينيين؟ وكيف تطرح على "الحوار" الوطني، ومنفذيات الدوحة، قضايا مثل تقسيم مناطق الرميل وحي اللجا وابو حطب، ولا نبحث جميعا في مسألة وجودية وجدانية انسانية، لها بُعد دولي معقّد وبُعد عربي اشد تعقيدا، وما بُعدها اللبناني الا الاقل اهمية وتأثيرا، لان لا مقدرة في لبنان على الحل الانساني كما يجب، ولا قرار مستقلا يمكن ان يطبق.
المسألة اكبر حجما منا بكثير. وبقليل من الواقعية، وليس من الضروري بكثير من الآفاق والدراسة، فان اي حل في هذا الصدد لا يتطلب فقط تعاون العرب، وهو مستحيل، بل على الاقل يتطلب مشاركة القيادات الفلسطينية: ما هو موقفها من المسألة؟ هل ترى في منح الحقوق المدنية تعديا على حق العودة وتآمرا عليه؟ هل هناك اتفاق بين فتح وحماس على التفاصيل؟ هل نقع وسط خلاف بين الفريقين؟ هل تلغي الحقوق المدنية "حق" الحكم الذاتي، والسلطة الذاتية في المخيمات؟ الف سؤال آخر، اجوبتها النهائية عند القيادات الفلسطينية، لا عند اليسار اللبناني العبقري ولا عند اليمين اللبناني الغبي.
اين نحن من الظاهرتين، غلاظة الانفصاليين في عاصمة الوحدة الاوروبية، وصورة الرياضة الجماعية في جنوب افريقيا؟ يكتب الاستاذ في هارفرد جوزف ناي (الفيغارو، 17 حزيران) معددا مزايا اوروبا، ومدافعا عن وحدتها. احدى المزايا ان اوروبا ترسل قوات لحفظ السلام بعشرات الآلاف الى الاماكن (وليس البلدان) الآتية: سييراليون، الكونغو، ساحل العاج، افغانستان، و؟ احزروا من هو البلد الاخير على لائحة الكونغو وسييراليون وساحل وافغانستان. طبعا طبعا، هالكم ارزة العاجقين الكون. بلد اليسار العبقري واليمين الغبي. وبلد المحميات الطبيعية والبشرية، حيث يمنع بيع الاراضي على بعض الفئات حرصا على نقاء البيئة والعناصر.
تتنافس فرق العالم، بكل الوانها وعروقها وبشراتها، على الفوز في الجهد الجسدي الخارق والتحايل الجميل. يفوز الذكي بالهدف سواء جاء من اليمين الغبي او من اليسار العبقري. يتبارون في جمهورية رجل كان فوق اليمين واليسار. هكذا قال ديغول عن نفسه ذات يوم، لكن احدا لم يرتق حقا الى ما فوق اليسار واليمين مثل نلسون مانديلا. ارتقى فوق غريزة العرق والبشرة والثأر، وليس فقط فوق الصراعات السياسية، مثل ديغول. ولم يرتق ديغول فوق غريزة الثأر الى رفعة العفو، فمات من غير ان يسامح الماريشال بيتان على خيانته، او ان يسمح للبيتانيين بممارسة الحياة المدنية.
الرياضة فضيلة الجسد وجائزة الروح.
والنصر في التأهيل، لا في الفوز. فالمرتبة هي بلوغ المباريات، اما الاهداف فمسألة خاضعة، على رغم كل شيء، لقانون المصادفة ونظرية الاحتمالات. ولو كنت صحافيا في جنوب افريقيا لدعوت الى تغيير اسم البلد، من مسمى موقع جغرافي، الى اسم اعتزازي، حاضن، مثل جناحي طائر الرخ. جمهورية مانديلا.