#adsense

لبنان لا يحتمل المواجهة منفرداً دون مشاركة عربية

حجم الخط

عوامل تحتّم التعامل الحذر مع مسألة سفن المساعدات
لبنان لا يحتمل المواجهة منفرداً دون مشاركة عربية

تبلغ لبنان خلال الايام الأخيرة على نحو مباشر وغير مباشر ضرورة عدم الافساح لأي سفن بالانطلاق نحو غزة تشبها بـ"أسطول الحرية" التركي قبل اسابيع، وقد اهتمت بعثات ديبلوماسية معتمدة في الخارج بالانباء التي تحدثت عن استعدادات لانطلاق سفن مساعدات نحو غزة، والتي بدأ الحديث عنها فورا بعد الاعتداء الاسرائيلي على "اسطول الحرية" والضجة التي أثارها. لكن هذه البعثات لم تخف تحفظها الواضح عن تحرك مماثل قد يجرّ لبنان الى حرب جديدة هذا الصيف. ومع ان هناك اجراءات ومواقف واضحة اعلنت للحكومة اللبنانية، فان ثمة تمنياً ان يكون هناك ضغط اكبر لعدم خوض هذه المغامرة انطلاقا من جملة اعتبارات، من بينها انه قبيل انطلاق اسطول الحرية التركي تنصلت تركيا من مسؤوليتها عنه، باعتبار انه مؤلف من مجموعات اجنبية ومن المجتمع المدني التركي وانها غير مسؤولة عن تحركه، لأن هذه المجموعات تمارس حريتها في التعبير وما الى ذلك. لكن تركيا وجدت نفسها في مواجهة مع اسرائيل قطفت منها ثمارا سياسية مهمة، في مقابل خسارتها مكاسب سياسية اخرى قد يكون ابرزها عدم تمتّعها بهذا الجسر الوسيط بين البلاد العربية واسرائيل كما كانت الحال بالنسبة الى الدور المهم الذي قطفته تركيا من رعايتها مفاوضات غير مباشرة بين اسرائيل وسوريا. وقد لفت المراقبين الديبلوماسيين في اليومين الأخيرين تصدر واجهة التطورات اخبارا تركية مختلفة نوعيا عن تلك التي حفلت بها المواقف في الاسابيع الاخيرة، من بينها استخدام الجيش التركي طائرات من دون طيار اسرائيلية الصنع لجمع معلومات عن تحركات المتمردين الاكراد في الجبال شمال العراق، في موازاة ابداء الولايات المتحدة استعدادها لزيادة المساعدة الاستخبارية لانقرة على قاعدة دعم واشنطن "الجهود التي يبذلها حلفاؤنا الاتراك لوضع حد لهذا التهديد الارهابي" الذي يمثله حزب العمال الكردستاني.

وهاتان الاشارتان هما للتذكير بأن لدى تركيا حساباتها ومصالحها وموقعها الذي يصعب ان تغادره، ولو قامت ببعض التغييرات السياسية غير الجوهرية وغير الانقلابية التي حققت لها مكاسب معينة. ولا يمكن لبنان ان يتشبه بها حتى في مجال ارسال سفن مساعدات الى غزة، ولا ان يحسبها نموذجا يقتدى به على اساس انها اصبحت قائدة للعالم العربي، كما اعتبر البعض، اذ انه ينأى بمسؤوليته عن هذه السفن راهنا من حيث عدم اعطائه الاذن بمغادرتها الى غزة من موانئه، لكن لبنان الرسمي قد يجد نفسه متورطا تماما مثلما تورطت الدولة التركية حين يتم المس بمواطنين له، مع الاخذ في الاعتبار ان الامر قد يصبح اصعب مع عدائية اسرائيلية اكبر حيال اللبنانيين على اساس تصنيفهم متصلين بـ"حزب الله" او متحرّكين في فلكه، كما أعلن مسؤولون اسرائيليون، ومع احتمال ان يتورط الحزب في مواجهة مباشرة.

وهناك عوامل أخرى تدفع الى ضرورة التعامل مع الموضوع بكل حذر باعتبار ان الامر زاد حجم التهديدات الاسرائيلية للبنان، فيما يحتاج الى موسم اصطياف مثمر لانعاش اقتصاده، فضلاً عن ان الكلام على سفن مساعدات جديدة تنطلق منه او من ايران حجب المطالبات الغربية لاسرائيل بفك الحصار عن غزة، في حين ان الضغوط قوية على الدولة العبرية للقيام بذلك. وما يجري راهنا يحرف الانظار عن الموقف الدفاعي الذي تجد اسرائيل نفسها فيه منذ الاعتداء على "اسطول الحرية" الى ما يمكن ان "يتهددها" مجدداً ويضعها في موقف هجومي من المرجح ان تبرره لها الدول العاملة بقوة راهنا لرفع الحصار او تخفيفه ما دامت تعطي هذه الدول بعضا مما تريده على صعيد السماح بدخول مواد جديدة الى غزة في اطار رفع جزئي للحصار او تخفيف قيوده.

وهناك من يعتقد ان المسألة كانت لتنجح لو ان لبنان لا يتصدر وحده واجهة الحملة الجديدة، بل تشاركه سفن تساهم فيها كل الدول العربية او غالبيتها او مشاركون من دول اجنبية على نحو فاعل. لكن ان يوضع لبنان وحده في الواجهة، فهذا يلقي عليه جزءا كبيرا من المسؤولية اذا نشأت اي مواجهة بين الناشطين على متن السفن واسرائيل، وكذلك في حال تطوّرت هذه المواجهة الى ما هو ابعد.

ومع ان الكلام هو كلام على مساعدات لاهل غزة، فان الحركة تأخذ طابعا سياسيا وليس انسانيا، لأن الكلام هو على كسر الحصار وليس على نوعية المساعدات او ماهيتها. وعلى أهمية اظهار مدى عدائية اسرائيل او مدى الاجحاف الذي تمارسه اسرائيل ضد اهل غزة، فهذا ليس بأمر جديد يتم كشفه، لكن لا يجوز تقديم الذرائع لاسرائيل لكي تفتعل مواجهة او تجر لبنان الى مواجهة من المرجح ان يتضرر منها كثيراً، ولو تضررت اسرائيل ايضا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل