مفارقة "تحالف أقليات" يقوم على إلغاء هوية المسيحيين الحضارية والتاريخية
البطريرك رقم صعب معطِّل للمشروع الإيراني
غريبٌ أمر هذه الممانعة، وأغربُ منه أمر العقل الذي يحكم خطابها، خصوصاً في ما يتعلّق بالأسلوب المتّبع مع "المسيحيين".
فمعسكر "الممانعة" الموالي لإيران دأب منذ أربع سنوات على سياسة مع المسيحيين في لبنان قوامها المفارقة التالية: إحياء فكرة استشراقية خالصة عن "تحالف الأقليّات" على امتداد الإقليم من ناحية، والعمل من ناحية ثانية على تعديل الجينات الوراثية للطوائف المسيحيّة، والموارنة منهم على وجه الخصوص، انطلاقاً من فكرة مغلّفة بعنوان "العودة إلى الشرق". وبما أن الشرق البيزنطي لم يعد موجوداً، والشرق اللاتيني لم يصمد طويلاً، في حين أنّ الشرق العثمانيّ القائم على فسيفساء من ملل مغلقة متعايشة قد تحلّل، والشرق القوميّ العربيّ لم يتحقّق كمشروع تاريخيّ، فلم يبق إلا العودة إلى الشرق الذي تمثّله الثورة الإيرانيّة، تلك التي أعاد "حزب الله" تذكيرنا في مناسبة مرتبطة بها قبل مدّة، بأنّها ثورة على "التغريب".
بيد أنّ المفارقات لا تتوقّف هنا. فـ"تحالف الأقليّات" القائم على أساس التعديل الجينيّ للهويّات المسيحية المشرقية، ومن ضمنها تلك الهويّات التي نشأت أو دخلت منذ قرون مديدة في كنف الكثلكة الرومانية، وعلى أساس إعادة خلط هذه الهويات لتصبح على صورة الثورة الإيرانيّة ومثالها، أي خاضعة لأيديولوجيا ميثولوجية قوامها الحرب الكونية بين أصل للخير وأصل للشرّ، إنّما هو في الوقت نفسه تحالف لا يتوقّف عن "تخويف" المسيحيين بإثارة "الهواجس الديموغرافية الموارِبة" في وجههم. من جهة، يقال للمسيحيين انخرطوا في تحالف يضم كافة الأقليّات، لكن يقوده نظام لا يقيم كبير وزن في داخله للأقليّات الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية. ومن جهة ثانية، يجري تذكير هؤلاء المسيحيين عند كل فرصة بأنّ عددهم إلى إنحسار، وبأن انحسارهم هو سبب قويّ لجعلهم يدعمون خيارات الممانعة، والمقاومة، ومكافحة التغريب.
والوجه الثاني للمفارقة أنّ ثمّة مفهوما معيّنا عن المسيحية يريد محور الممانعة الإيرانية إدخاله إلى عقول المسيحيين، وتحديداً الموارنة. وهو مفهوم إنتقائيّ، تخليطيّ، مساق لأهداف محض أيديولوجيّة، وقائم على تشويه كافة المنطلقات اللاهوتية المركزية في الوعي التاريخي المارونيّ. الموارنة مكتفون بعقائدهم وطقوسهم لكن ثمّة من يريد تغيير وجههم. وفي المطبوعات الصفراء نفسها التي يشتم فيها آباء الكنيسة المؤسّسين الأوائل، على غرار أكثر من خمسين هجاء وجّه للقديس الأنطاكيّ يوحنا فمّ الذهب، تجد من يتطوّع لتقديم الوعظ لمسيحيي الشرق بكيفية إعادة تجذّرهم في أرض الآباء والأجداد، وبدور "السلاح" المقاوم والممانع في إعانتهم على هذا التجذّر. وهؤلاء نفسهم الذين ينتقدون البابا بنديكتوس السادس عشر لزيارته الرعوية لقبرص، ويهمّون بنصحه بأنّ ينظم زيارة رعوية للرابية أو لسواها، يعودون وبأسماء أخرى للترويج لطرفة مضحكة مبكية من نوع أن الفاتيكان منهمك في إعداد الإجراءات لعزل بطريرك الموارنة، ومن بعده كل رؤساء الكنائس الشرقية الكاثوليكية غير الملتزمة بعد بمنطق "الممانعة"، وربّما كان في وسع الفاتيكان التدخّل أيضاً، على ذمّة الراوي، لعزل وشطب ما يريد عزله وشطبه في الكنائس الأرثوذكسية أيضاً. والأطرف أن رصد حركة الجيئة والذهاب من وإلى الفاتيكان تفسّر في هذا الإطار، في حين أن الجميع يعلم بأنّ الكنيسة منهمكة من روما حتى بكركي، بالإعداد لـ"السينودوس من أجل مسيحيي الشرق" في الخريف المقبل.
أما في مطبوعة أخرى، فيتقدّم واعظ آخر بمشروعه لتغيير الهوية المسيحية من الأساس، بحجّة السينودوس هذه المرة. وما الذي يقترحه عليهم؟ التأصيل لاهوتياً لموقف محمود أحمدي نجاد من اليهود واليهودية، أي بمعنى آخر إحياء البدعة "المرقيونية" التي تسقط التوحيد الإبراهيميّ من أساسه. بدلاً من المارونية، يجري إقتراح خليط من "المرقيونية" و"النسطورية". المرقيونية من جهة محاربة التوحيد الإبراهيمي، وربط المسيحيين بالصراع ضد اسرائيل على هذا الأساس، أي على أساس يباعدهم عن عموم المسلمين بالدرجة الأولى. والنسطورية، من جهة إدارة الظهر للبابا ولقيصر، لصالح إيران وكسرى، كما فعل نسطور قبل خمسة عشر قرناً.
أتراهم بهذه الحجج يحاولون "ترهيب"، أو أدهى، "ترغيب"، البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الذي صار منذ أكثر من عام الرقم الصعب المعطّل للمشروع المتعارض مع المصلحتين اللبنانية والعربية؟ ربّما كان على بطريرك أنطاكية في هذا العصر أن يذكّرهم بنموذج ثالث بطاركة أنطاكية، إغناطيوس الأنطاكي، الذي عندما اقتيد مكبّلاً لكي تلتهمة الأسود في روما، في عهد الإمبراطور ترايانوس، ما كان له همّ إلا كتابة الرسائل التي تسفّه الهراطقة ومفتري السحر والشعوذة في الشرق.