كأن لا حكومة وفاق ولا فصل بين السلطات ولا تعاون
كيف الخروج من دائرة السباق على إقرار المشاريع؟
بعدما تعطل العمل بالنظام الديموقراطي الذي يجعل الأكثرية تحكم والأقلية تعارض وتحاسب، وبلغ حد وقف العمل ببعض أحكام الدستور باللجوء الى اجتهادات وتفسيرات والى ما يسمى العرف، بات الكثير من الامور يمشي عكس السير او بالمقلوب. فالنظام القائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها اختل بحيث لم يعد ثمة فصل بين السلطات عندما اصبحت الحكومة تتألف من اكثرية واقلية اي من موالاة ومعارضة معا، فتعطل دور مجلس النواب في المساءلة والمحاسبة كسلطة اشتراعية، واصبحت السلطة التنفيذية تقوم بدور السلطتين من دون احترام لمبدأ الفصل وللتوازن والتعاون بينهما. فالسلطة الاشتراعية تقوم احيانا بدور السلطة التنفيذية والسلطة التنفيذية تقوم احيانا بدور السلطة الاشتراعية، وهو ما ظهر في الفترة الاخيرة عندما دخل مجلس النواب في سباق او منافسة مع الحكومة حول اقرار المشاريع، فتقدم نواب باقتراحات قوانين حول مشاريع او مواضيع لا تزال قيد الدرس لدى الحكومة مثل اقتراحات بتعديل قوانين من اجل تأمين الحقوق الانسانية والمدنية للاجئين الفلسطينيين وحول موضوع التنقيب عن النفط في المياه الاقليمية اللبنانية وترسيم حدودها خصوصا بعدما بدأت اسرائيل تعلن عن اكتشافات نفطية في مياهها البحرية غير البعيدة عن الحدود اللبنانية، الامر الذي جعل وزير العمل بطرس حرب يثير في مجلس الوزراء موضوع اقتراحات القوانين هذه ومنها على الاخص تلك التي تقدم بها النائب وليد جنبلاط، فطلب ان يضع مجلس الوزراء يده عليها لاتخاذ موقف واضح منها لتؤكد الحكومة التزامها ما ورد في بيانها الوزاري سواء بالنسبة الى موضوع توفير الحقوق الانسانية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين او لغيره من المواضيع الواردة في البيان او غير الواردة فيه.
ويرى الوزير حرب ان الحكومة هي حكومة "وحدة وطنية"، وان كل اقتراح قانون يتقدم به نواب يمكن ان يطرحه من يمثلهم في الحكومة على مجلس الوزراء لاتخاذ قرار في شأنه كي تحال المشاريع بعد اقرارها على مجلس النواب وليس العكس، اي ان تطرح اقتراحات القوانين على الحكومة في مجلس النواب او يدعى الوزراء المعنيون الى اللجان للاستماع الى آرائهم فيها، ويمكن النواب ايضا توجيه اسئلة حول اسباب تلكؤ الحكومة في بت مشاريع مهمة وعدت بها في بيانها الوزاري لحضها على ذلك او الاشارة الى تقصيرها.
والسؤال المطروح هو: هل يحق للنواب التقدم باقتراحات قوانين حول مشاريع او مواضيع وعدت الحكومة بها في بيانها الوزاري وبعضها مطروح للبحث في مجلس الوزراء او مدرج على جدول اعماله اما انه لا يحق لهم ذلك في مثل هذا الوضع لئلا تتضارب آراء النواب اصحاب اقتراحات القوانين وآراء الوزراء في الحكومة؟
ثمة من يقول ان الحكومات عندما كانت تتألف من اكثرية تحكم واقلية تعارض كان نواب الاقلية يحاولون استباق الحكومة في التقدم باقتراحات قوانين لان لهم رأيا فيها قد يكون مختلفاً عن رأي الحكومة، او عندما يشعرون بان الحكومة تتقاعس في اقرار مشاريع القوانين، لكشف تقصيرها وتلكؤها امام الرأي العام.
اما في وضع الحكومة الحالية المؤلفة من اكثرية واقلية، اي من معارضة وموالاة تحكمان معا فلا ينبغي ان تكون مناقشة المواضيع في مجلس الوزراء وليس في اللجان، ولا حاجة بالتالي الى الدخول في سباق بين الحكومة والنواب على اقرارها، فكما صار اتفاق في مجلس الوزراء على خطة الكهرباء، من دون ان يدخل الموضوع في مزايدات لا بين النواب ولا بين الحكومة والنواب، فانه يمكن التوصل الى اتفاق حول موضوع تأمين الحقوق الانسانية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين وان تتحمل هي، اي الحكومة، مسؤولية ذلك اذ قد يترتب عند حصول اي خطأ احتمال تعريض لبنان لخطر التوطين، وان تتحمل هي ايضا مسؤولية ترسيم حدود مياهها الاقليمية مع اسرائيل لمتابعة التنقيب عن النفط والغاز داخل مياهها البحرية الاقليمية. وللنواب ان يحضوا الوزراء الذين يمثلونهم على استعجال اقرار ما يهمهم اقراره خصوصا المشاريع التي ورد ذكرها في البيان الوزاري، وليس من المنطقي ان يسبقوا الوزراء الذين يمثلونهم على اقتراح قوانين لا سيما في المواضيع المطروحة على البحث في مجلس الوزراء ومنها موضوع التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية. وقد تشكلت لجنة فرعية برئاسة الرئيس سعد الحريري وهي تناقش المشروع، فلا يُعقل في مثل هذه الحال ان يكون لهذه اللجنة رأي ويكون للجان البرلمانية المختصة رأي آخر حتى اذا تعذر التوفيق بين الرأيين يتعطل بت المشروع وتكون اسرائيل هي المستفيدة من ذلك.
حيال هذا الوضع ينبغي الاتفاق بين الحكومة ومجلس النواب، عملا بمبدأ الفصل بين السلطات مع وجوب التعاون، على اتخاذ قرار في شأن الموضوع، فإما ان يحضر ممثلون عن الحكومة جلسة اللجان المشتركة للخروج برأي واحد بعد المناقشة، وإما ان ترفع اللجان تقريراً بنتائج المناقشات لتستعين الحكومة بما جاء فيه قبل بت الموضوع في مجلس الوزراء وان كان الجميع يسلم بحق النائب في تقديم اقتراح قانون وبحق رئيس مجلس النواب احالة الاقتراح على اللجان المختصة. هذا في الشكل، اما في الاساس، فالخلاف هو حول اي من الطرفين اي مجلس النواب او الحكومة له الاولوية في مناقشة اي مشروع خصوصا اذا كانت الحكومة هي حكومة "وحدة وطنية" وقد باشرت درسه في مجلس الوزراء وباشر النواب من جهتهم درسه في اللجان وفي آن واحد…
لقد تحدث مقدم الاقتراح حول التنقيب عن النفط النائب علي حسن خليل، مشيرا الى اسباب تتعلق بالشكل المرتبط بجوهر الحياة الديموقراطية في لبنان والفصل بين ادوار المؤسسات، واتهم الحكومة من خلال بعض النواب بمصادرة الحياة الديموقراطية وحقوق النواب ومحاولة تأجيل البحث في الموضوع، وطلب ان تقوم الحكومة بدورها ومجلس النواب بدوره بحيث يتكامل الدوران، لان اسرائيل لا تنتظر ترسيم الحدود وقد بدأت تركيب منصات في بعض الحقول التي اكتشفتها في المياه الاقليمية الفلسطينية، لتسرق نفطنا بعد مياهنا.
والسؤال المطروح هو: ما الذي ستقرره اللجان النيابية المشتركة التي دعاها الرئيس بري للاجتماع برئاسته يوم الاثنين المقبل، هل تمضي في درس اقتراح القانون الذي تقدم به النائب علي حسن خليل وترفع النتيجة الى الحكومة، ام انها تشكل لجنة نيابية تدرس مع اللجنة الوزارية الموضوع للخروج برأي واحد؟
الواقع ان هذا الاقتراح سوف يعجل في اقرار المشروع المتعلق بالتنقيب عن النفط في مياه لبنان الاقليمية قبل ان تسبقه اسرائيل الى ذلك، وهذا اهم من الدخول في سجال حول حق النواب او حق الحكومة في بت الموضوع، وهذا الاشكال ما كان ليحصل لو ان لبنان حافظ على جوهر الحياة الديموقراطية التي تجعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض وتحاسب وتقدم اقتراحات قوانين وتوجه اسئلة واستجوابات.