على رغم بعض الاصوات المعترضة، كانت قناعة بنسبة عالية بتصرف لبنان في مجلس الامن الدولي في مجال النظر بفرض عقوبات على ايران. وهذا ما حصل ازاء الموقف الرسمي اللبناني من موضوع "اساطيل الحرية"، حيث ظهر فهم منطقي لمخاطر الخوض في تحمل مسؤولية ما ليس منه بد، جراء معرفة رد الفعل الاسرائيلي، خصوصا بعدما تبين ان حكومة بنيامين نتانياهو جاهزة لاعلى درجات السلبية، لاسيما انها لم تتأخر عن بيع علاقتها الاستراتيجية – السياسية والاقتصادية والعسكرية مع تركيا عندما تبين لها ان رجب طيب اردوغان يتطلع الى ابعد من مصلحة غير محمودة العواقب مع اسرائيل؟!
التفسير المنطقي الذي اعطاه وزير الاشغال غازي العريضي يوم لم يعط الضوء الاخضر لرحلة سفينة الحرية الاولى والثانية من لبنان الى قبرص ومن هناك الى غزة، اكد بشكل مطلق ان من الواجب التحسب للسلبية الاسرائيلية، فضلا عن ان الحماسة التركية قد خفت بنسبة عالية، ربما "لان اردوغان لم يسمع جوابا عربيا بمستوى خسارته تسعة مواطنين من بين ضحايا السفينة التي توجهت الى غزة". اي ان الاتراك كانوا يعتقدون ان الزعماء العرب سيتهافتون صوب انقرة تعبيرا عن شكرهم، فيما تبين له العكس قبل ان تجف دماء الضحايا الاتراك وقبل ان يضطر الى اعادة حساباته المالية مع اسرائيل؟!
وطالما ان مصر قد فتحت معبر رفح بصورة رسمية مع قطاع غزة، اصبح لزاما على كل من كان يفكر في الافادة من "اساطيل الحرية" اعادة النظر في فكرة مناهضة اسرائيل عن طريق مواجهتها بالاخلاق وبتصرفات تعبر عن سلامة نظرة العالم الى "لا اخلاقياتها" في مواجهة فلسطينيي غزة". اضافة الى ان مستوى المشاركة الاوروبية – الدولية باساطيل الحرية وان استمرت على زخمها، غير ان الزخم العربي لم يظهر مشجعا، خصوصا عندما دعت الحاجة وبالحاح منقطع النظير الى تفاهم فلسطيني – فلسطيني يسقط محاذير الفرقة القائمة بين سلطة الحكم الذاتي ممثلة بحركة "فتح" ومنظمة التحرير، وبين "سلطة حركة حماس وفصائل الرفض"!
هذا على المستوى الفلسطيني – الاقليمي والدولي، اما على مستوى لبنان، فقد حصلت حركة فلسطينية بالتزامن مع طرح فكرة الحقوق المطلوبة انسانيا وحياتيا للاجئ الفلسطيني، الامر الذي دفع بعض من يهمهم الامر الى استباق المعنى والهدف الداخلي، وما اذا كانت نية لبنانية للتعاطي مع هذا الاستحقاق بمعزل عن هواجسه القديمة والجديدة، مع العلم ان "طعم الحرب الداخلية بموجباتها وظروفها واسبابها لا يزال على اضراس جميع اللبنانيين بلا استثناء"!
كذلك، لا يعقل ان يتغير المشهد الفلسطيني بين يوم وآخر، لمجرد ان من كان معه قد غير لباسه السياسي والمذهبي. او لمجرد من كان ضده اصبح مقتنعا بعكسه بين يوم وآخر، مع العلم ان الكلام على رفض التوطين يحتاج الى اكثر من التعابير الانشائية، وهكذا بالنسبة الى التسابق في طرح المشاريع الانسانية والحقوقية للاجئ الفلسطيني على ارض لبنان؟!
والملاحظ، ان جولة المفوض الاعلى لمنظمة "الاونروا" على كبار المسؤولين لم تفاجئ من كان يتصور ان "الاونروا" لا ترغب في توطين الفلسطينيين، بقدر ما فاجأت الدول ذات العلاقة بتمويل اعمال اغاثة الشتات الفلسطيني في لبنان وغير لبنان، حيث لم يسمع احد عن مشروع مماثل او فكرة قريبة من المطروح اخيرا في لبنان؟!
وثمة ملاحظة اخرى تكاد تكون بمستوى نقل المشكلة الفلسطينية المصيرية الى مشكلة لبنانية مصيرية، طالما ان قدرات لبنان لا تؤهله لان يفي بأي التزام يتجاوز ما بين يديه من هموم مالية وامنية واقتصادية جراء تضارب مصالح الداخل مع مصالح الخارج!
والذين على متابعة قريبة لهذا الملف يجمعون على ان الهدف من وراء تسريع طرحه وضع الجميع امام الاحتمالات السلبية المطلقة، فيما هناك من يجزم بأن من سبق لهم ان رفضوا توطين الفلسطينيين وخاضوا حروبا على جبهتين متناقضتين قد التقوا مجددا على رفض اكثر قوة وشمولا، وهي انعكاس ايجابي في منظور بعض ما يسعى وراء جر الجميع الى حال ميؤوس منها؟!
وما يقال عن مصالح خاصة يخطط لها البعض في لبنان قد يكون في محله، لاسيما ان "المصلحة العامة تنتفي بالشكل والمضمون بحسب ما ظهر خلال طرح "فكرة الحقوق" حيث بقي الترحيب بها اقل بكثير من المستوى الذي يسمح بتقبلها؟!