السيد البطريرك في اللحظة التاريخية الحاسمة
لارا جورج عيد – طالبة في كلية الاعلام والتوثيق 2
بتواضع يليق بالمقام السامي الاحترام، ارتفع البطريرك الماروني في سماء لبنان.
بهدوء وثبات وصلابة، بكلام واضح ومقتضب استحضر التاريخ المجيد للبطاركة العظام في شخصه الكريم.
في اللحظة التاريخية الحاسمة، استشعر البطريرك الخطر القادم على "الرعية" وعلى "الحظيرة" وعلى "الامانة التاريخية" التي يحملها:
"الدفاع عن القطيع واجب ضميري"، "والدفاع عن القطيع يفرض الدفاع عن الحظيرة".
وحظيرتنا نحن، هذا الجبل المقدس… هذا الوطن اللبناني الذي بنيناه بعرق جباهنا ودم شهدائنا، فغدا واجبنا الضميري الحياتي، بعد خدمة الله، المحافظة على الوطن في كيانه، وسلامته، وحريته، واستقلاله.
هو الراعي الصالح.
نحن من رأتك اعيننا وسمعتك قلوبنا وتلهفت الى ملاقاتك.
كيف لنا أن نصمت وأنت تتعرض للتجريح؟
كيف لنا أن نكرر اخطاء أولئك الذين أشاحوا بنظرهم عن من "صلبوا رب المجد"؟
كيف لنا وبعد كل ما جرى عبر تاريخنا الطويل أن لا نميز بين "الحق والباطل"؟
كيف لنا أن لا نفرق بين "الراعي الصالح والاجير"؟
كيف لنا أن نسكت. إذا سكتنا "فالحجارة سوف تنطق"، والتاريخ لن يسكت عنا!
ونحن بدورنا، ووفاءً منا لكم يا صاحب الغبطة، نستحضر شواهد التاريخ.
فماذا يقول التاريخ عن "البطريرك" وعن "البطريركية المارونية"، على لسان عظماء التاريخ:
قديس لبنان مار شربل في حوار افتراضي مع العلامة فؤاد افرام البستاني والدكتور شارل حبيب مالك، فيلسوف "المقاومة اللبنانية"، عسى أن نساهم معهما في توضيح الصورة الحقيقية "للحظة التاريخية الحاسمة" التي يعيشها لبنان اليوم وأن نعطيك جزءاً من حقك علينا يا صاحب الغبطة ونترك الباقي بين يدي "رب التاريخ وسيد الزمن".
أولا: البطريركية المارونية
انه من الخطأ الشائع الحديث عن البطريركية المارونية وتصنيفها انها مع هذا الفريق الوطني أو مع ذاك، فالتصنيف يجب أن يكون على الشكل الاتي: هذا الفريق هو مع موقف بكركي الوطني العام أو هذا الفريق ليس مع موقف بكركي الوطني العام.
فبكركي، هي صاحبة الموقف الوطني العام اساسا، والقوى السياسية إما أن تتماهى مع موقف بكركي لدرجة الوحدة، وإما أن تتناقض معها لدرجة الاختلاف. وفي الحالتين، بكركي هي صاحبة الموقف وللتاريخ ان يحكم.
الدكتور شارل مالك في مقاله "الكثير المطلوب من الموارنة" يقول عن بكركي ودورها:
" مجد لبنان… لهم.
أُعطيَ الموارنة بكركي. بكركي مركز روحي فريد في الشرق الأوسط. الكل يتطلعون إلى قيادته وتوجيهه. باستطاعة هذا المركز الكبير جمع شمل الموارنة وأكثر من الموارنة. أثره يُلمس إذا تحرك، وقد يُلمس أكثر إذا لم يتحرك، أو إذا تحرك بما لا يتكافأ مع قدر التحدي. أما نجاعة التحرك فتتوقف على العيش على مستوى لحظة التاريخ الحاسمة. لا يكفي مجرد الحفاظ على الرعية والأعراف والتراث، لا يكفي مجرد البقاء والاستمرار.
الحاسم اليوم وعيُ الحركات المصيرية الصاخبة في العالم وعياً مسؤولاً تاماً، وتوظيفُها، أو توظيف ما أمكن منها، في سبيل التراث والبقاء، بكركي من الأهمية بحيث إذا خرِبَ لبنان وبقيت هي سليمة معافاة قوية، ماسكة بيد من حديد بزمام دعوتها التي أُنيطت بها أزليًا، فباستطاعتها وحدها أن تعيد تعمير لبنان.
أما، لا سمح الله، إذا خربت بكركي أو وَهَنت أو حلّ بها سقم ما، فلبنان وحده لا يستطيع إغاثتها كي تستعيد عافيتها وتبني ذاتها من جديد. وإذا كان لبنان خرِبًا فقد لا يستطيع أن يُعمِّر نفسه بنفسه إذا كانت بكركي أيضًا خرِبة.
أي مؤسسة أخرى في لبنان يصح فيها هذا القول؟ وإذا قدرنا ماذا يعنيه لبنان تاريخيا وعالميا، تجلّى لنا مركز بكركي الفريد، وتِبعَتُها العظمى، في لبنان وفي العالم. أما أسباب تفرُّد بكركي بهذا المركز العظيم فتعود الى طبيعة المارونية والموارنة، والى تاريخهم وتمركزهم في هذا الجبل، والى مجتمعهم المتلاحم المتراص، والى تنظيمهم المدني والكنسي.
كل من هذه العوامل يستدعي بحثاً خاصًا مستفيضًا. بكركي مؤسسة حتم إفرازها تاريخ الموارنة، وطبيعتهم، وخبرتهم الكيانية، ومعاناتهم ومعاناة مسيحيي هذا المشرق الصاخبة المأساوية عبر الأجيال، المعاناة التي لم تستقرّ يومًا، وقد يكون قدرها أن لا تستقر أبدًا. إذا شاءت العناية أن تمثِّل بكركي دورها المرسوم، وإذا استجابت بكركي لهذه المشيئة، فباستطاعتها أن تكون العامل الحاسم في مصير لبنان وفي مصير أكثر من لبنان. هذا الدور الحاسم يستدعي منتهى الحكمة والحزم والإقدام والتضحية والتواضع. وعلى أي حال، فإن الموارنة أعطوا بكركي، وهي شيء كثير، ولذلك يُطلب منهم ومن بكركي الكثير". (الدكتور شارل حبيب مالك).
ثانياً: البطريرك الماروني "الراعي الصالح"
* – حوار مع "مار شربل" للعلامة الاستاذ فؤاد أفرام البستاني. منشور في مجلة المسيرة العدد صفر/ تاريخ (3-18 تشرين الثاني 1982).
* – نشر لأول مرة، في الجزء الثالث من مجلة "الفصول": عدد الربيع من السنة 1980. مادة "ضيف الفصل".
* – للأمانة نوضح ما قاله الدكتور فؤاد افرام البستاني بشأن هذه المقابلة: "اجريت هذه المقابلة مع الاب الحبيس شربل مخلوف بتاريخ 21 حزيران 1878. أفي الجسد كان ذلك؟ لست أعلم! أم خارج الجسد لست أعلم! الله وحده يعلم!" وقام بنشرها سنة 1980.
ماذا يقول " قديس لبنان" ألاب شربل مخلوف، عن الراعي الصالح:
"….. اما الدفاع عن القطيع واجب ضميري لا اشتغال بالسياسة، كما يفهمها المتهافتون على الوظائف، والمنافع، والمصالح المادية. وكما يفسرها الجبناء الطامحون الى السلامة في الخمول. والطمأنينة في الكسل من دافني الوزنة الوحيدة – التي أئتمنهم عليها المسيح، فخانوا الأمانة – تهربا من السعي المجدي، والعمل المثمر، والنضال في ميدان الكفاح في سبيل الحق والخير.
والدفاع عن القطيع يفرض الدفاع عن الحظيرة. و حظيرتنا، نحن، هي هذا الجبل المقدس، هذا الوطن اللبناني الذي بنيناه بعرق جباهنا، ودم شهدائنا. فغدا واجبنا الضميري الحياتي، بعد خدمة الله بالمحافظة على الوطن في كيانه، وسلامته، وحريته، واستقلاله.
أولم تسمع بما فعل رعاتنا القديسون الاقدمون؟ كيف بذلوا أنفسهم في سبيل القطيع، و في سبيل حظيرته، فقاوموا السلطات الجائرة، وتكبدوا انواع الأرهاق، وصنوف العذاب حتى النفي و الأستشهاد. (…)
(…) الأضطهاد، والنفي، والأستشهاد ينبغي ان تكون نصب عيني الراعي الصالح، الذي يقوم ببذل نفسه في سبيل قطيعه، كما يقول السيد المسيح، له المجد. فلا عجب ان يضطهد راعيكم الصالح، وان ينفى(…)
أما الذئاب التي تآمرت عليه حتى نفته فستطرد من امام وجهه، و تبدد في الشرق والغرب. وأما اليد التي وقعت بسوقه الى المنفى فسيسيل دمها!
هذا هو الراعي الصالح!
أما الراعي الذي لا يقوم بهذه الواجبات، الذي لا يشارك رعيته في السراء والضراء، الذي يهرب من الذئب، اذا أقبل هاجما على القطيع، الذي ينزوي في مخبأه، اذا تفاقم الخطر، الذي يفاوض الذئاب فيحالفهم على قطيعه، تهربا من الأنزعاج، وتخاذلا عن الكفاح، وانكفاء عن الدفاع، فهو الراعي الأجير.
لست انا اقول هذا. انما هو راعينا الأكبر، هو المسيح يقوله في انجيله الطاهر:
"فالراعي الصالح، وحده، يبذل نفسه في سبيل الخراف. وليس الأجير كالراعي، لأن الخراف ليست له. فأذا رأى الذئب مقبلا، ترك الخراف ونجى بنفسه، فيخطف الذئب الخراف و يبددها، وما ذاك الا لانه أجير لا يبالي بالخراف". ( يوحنا 13:10 ) (حوار مع ألأب شربل مخلوف أجراه الاستاذ فؤاد افرام البستاني).
ثالثا: الموارنة
يقول الكتور شارل مالك في موضع أّخر من المقال "الكثير المطلوب من الموارنة":
"يوجد مُعطًى ويوجد معطٍ. الله وحده هو المُعطي والمُعطى في آن، الله فقط هو مُعطي نفسه، أما الإنسان فلا يعطي نفسه، يعطي الإنسان من فضْل ما أعطيه. ومعطي الإنسان هو الله.
ليس أمرا تافهاً أن يُعطى الموارنة، ونُعطى جميعاً معهم:
هذا الجبل الشامخ الفريد العظيم،
شعب لبنان بتراثه وقيمه،
بلداً مستقلاً، مجتمعه حر تعددي،
بكركي، بكامل ما عنته وتعنيه،
تراثاً آرامياً سريانياً عريقاً،
طقساً ليتورجياً عقائدياً وثيقاً برومية والغرب،
تاريخًا خاصاً موحدا منفصلاً قائمًا في ذاته،
أن يكونوا أقرب الناس، أصلاً ومزاجاً وتراثاً، الى اليهود والعرب، وحيوية وخصباً في العطاء فريدَين.
هذه العطايا العشر، في كل واحدة منها وفي مجموعها، تشكل كنزاً من القيم والإمكانات يكاد يكون فريداً في العالم كله. تأملها بإنعام نظر تام يكشف عظمة التبعة الكيانية المسؤولة التي يحملها الموارنة. هذه العطايا العشر العظيمة، لم يُعطِها الموارنة لأنفسهم. إن "أبا الأنوار"، من جوده العلي، هو الذي أعطاهم إياها حريٌّ بهم، إذن، أن "لا يتكبروا" و "يتباهو" كأنهم "لم ينالوها".
ما أسهل التفلسف على الموارنة! مَنْ لا يتفلسف عليهم اليوم؟ مَنْ مِنْ أعداء لبنان وحرياته وقيمه لا يعاديهم ولا يحاول تسويدَ اسمهم وتفكيكهم بعضهم من بعض؟ إن هذا لفخرٌ لهم. إنه دلالة دامغة على مركزهم وأهميتهم. ومع ذلك هم صامدون. "يا جبل ما يهزّك ريح"!
وقد يكون سهلاً كذلك تحليل ما أُعطوه. وما محاولتنا هنا، على حدودها ونقائصها، إلا أحد التحاليل الممكنة.
المهم ليس تحليلهم ولا التفلسف عليهم بل أن يتساءل اللبنانيون الآخرون، غير الموارنة:
– هل نقّدر بالفعل، بلا تحيُّز ولا مواربة ولا حكم مسبق، ما أعطي للموارنة حق قدره؟
– أيًا كان ما أعطاه الموارنة، فماذا أعطينا نحن؟" (الدكتور شارل حبيب مالك)
للمتطاولين على "بكركي" وعلى "سيدها" نقول:
قبل ان تكونوا أنتم كانت "بكركي" وكان "سيدها".
المجد الذي اعطي لها وله، مجد أعطي من فوق، لا يستطيع أحد أن ينتزعه منها.
وانتم يا صاحب الغبطة، وقد أبصرنا مجدكم، كما أمجاد اسلافكم ، مجدا يظهر عظمة المسؤولية التاريخية التي أخصكم الله بها، أمانة بين أيديكم بقوته تعالى، عليها تحافظون في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة.