#adsense

بكركي إن حكت!

حجم الخط

مع كل موقف وطني للبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير تتجدد الحملة السياسية – الإعلامية على بكركي. واللافت في الحملة الأخيرة بلوغها حد التدخل في الشؤون الداخلية للكنيسة، علما أن البطريرك لم يقل جديدا وهو يكرر موقفه المعروف من "حزب الله"، ولكن يبدو أن فقدان الأمل بالقدرة على إسكات صوت بكركي أو تحييدها بالحد الأدنى دفع أصحاب هذه الحملة المتجددة إلى فبركة روايات عن أحوال الكنيسة علهم يحققون عبرها ما عجزوا عن تحقيقه في الأمور السياسية.

فقد اعتبر مسؤول رفيع في "حزب الله" اخيرا، في أبلغ موقف صادر عن "الحزب"، "أن البطريرك الماروني يظن أن في استطاعته نزع سلاح "حزب الله" على غرار إخراج الجيش السوري من لبنان، اعتقادا منه بأن البيان الذي أصدره باسم مجلس أساقفته في أيلول من العام 2000 هو الذي أفضى إلى هذا الخروج، بينما الوقائع تفيد بأن التطورات الدولية المتسارعة بعد أحداث 11 أيلول 2001 هي التي أدت إلى هذا الانسحاب، إضافة إلى أن ما كان يصح في ربيع العام 2005 اختلف جذريا منذ صيف العام 2006، وبالتالي كلام البطريرك بهذا المعنى لا يقدم ولا يؤخر، لا بل ينعكس على صورة البطريركية التي لا مصلحة لها بالدخول في خلاف مع الطائفة الشيعية وخلق انقسام وتوتر داخليين".

من يتابع هذا الكلام يسأل: لماذا هذه الحملة المنهجية والمركزة إذا على البطريرك الماروني طالما أن مواقفه لا تقدم ولا تؤخر؟ وطالما الشيء بالشيء يذكر، لماذا قامت الدنيا ولم تقعد على رئيس الجمهورية عندما دعا لاستئناف الحوار الوطني بشأن الاستراتيجية الدفاعية؟ ولماذا التصويب المستمر على الدكتور سمير جعجع الذي رفض سحب موضوع سلاح "حزب الله" من التداول السياسي والإعلامي؟

يعلم "حزب الله" علم اليقين أن الممانعة المسيحية التي قادها الدكتور سمير جعجع من زنزانته والبطريرك الماروني من مقره وسائر الشخصيات المسيحية هي التي مهدت الطريق لبروز حالة لبنانية استقلالية وأطلقت دينامية سياسية داخلية تصاعدية تقاطعت مع توجهات دولية، ليس للتآمر على سوريا كما استفادت الأخيرة من التفويض الدولي المعطى لها لاحتلال لبنان، إنما الاستفادة من التوجه الدولي الجديد لاستعادة اللبنانيين حقهم في دولة مستقلة وسيدة على أرضها.

ويعلم "حزب الله" أيضا علم اليقين أن العامل الأساس الذي أدى إلى إخراج سوريا من لبنان هو التقاء اللبنانيين على وحدة موقف وأهداف واضعين حدا لمقولة إن اللبنانيين منقسمين طائفيا وعاجزين عن حكم نفسهم وأن وجود الجيش السوري في لبنان هو ضمانة للحؤول دون عودة الحرب الأهلية. وهذه الوحدة بالذات التي تجلت في انتفاضة الاستقلال وأخرجت سوريا من لبنان ما زالت منذ 14 آذار 2005 إلى اليوم مستهدفة من قبل سوريا و"حزب الله" بغية ضربها وتفكيكها وإعادة ترسيمات الحرب الأهلية، لأن الوحدة المسيحية – الإسلامية هي الضمانة لمنع عودة سوريا إلى لبنان، وهي الكفيلة بوضع حد لسلاح "حزب الله" والعبور من الدولة المعلقة منذ العام 1969 إلى الدولة الفعلية.

إن أكثر ما يزعج "حزب الله"، في الحقيقة، إظهار أن سلاحه هو مصدر وأساس الأزمة اللبنانية. والحزب يدرك جيدا أن ما كان يردده النائب وليد جنبلاط قبل تموضعه الأخير بشأن "أننا لسنا وحيدين ولا متروكين في هذا العالم" هو حقيقة ساطعة، وأكبر دليل رزمة القرارات الدولية المتعلقة بالقضية اللبنانية، والمتابعة الحثيثة لهذه القرارات من قبل المجتمع الدولي، وبالتالي تسليط الضوء المتواصل على خطورة سلاحه على الداخل وما يمكن أن يستجلبه من أخطار من الخارج يبقي مسألة "حزب الله" قيد المتابعة والمعالجة من قبل المجتمعين الدولي والعربي.
فأقصى طموح "الحزب" عدم التداول بموضوع سلاحه ولا بل التسليم بهذا السلاح وجعله مسألة بديهية وطبيعية في حياة اللبنانيين، مما يبعد عن الحزب، بنظره، المساءلة والضغط الدوليين، علما أنه في حال تسليم اللبنانيين بـ"شرعية" هذا السلاح يتحول لبنان تلقائيا إلى دولة معزولة ومحاصرة من ضمن محور الشر، مما ينعكس سلبا على أوضاع اللبنانيين معيشيا واقتصاديا وحياتيا، ويسهل تعريض لبنان لضربة أو اجتياح إسرائيلي، لأن وجود "حزب الله" بالنسبة للمجتمع الدولي يشكل تهديدا وخطرا على مستوى المنطقة، وهو بنظرهم منظمة إرهابية تخدم السياسات الإيرانية والسورية.

يعتبر "حزب الله" أن التقاطع القائم بين القوى المحلية والقوى الدولية على موضوع سلاحه يضاعف الخطر على مصير هذا السلاح، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال: هل المطلوب من القوى السياسية اللبنانية غض النظر عن سلاح يتعارض مع مشروع الدولة في لبنان ويعيق قيامها وتقدمها ويعرّض أمن اللبنانيين وحياتهم للخطر لا لشيء إلا لحسابات إيرانية ومصالح سورية؟

وعليه، من البديهي أن يكون موضوع السلاح عنوانا رئيسا لدى أي مسؤول روحي أو زمني، وبخلاف ذلك يعتبر هذا المسؤول متقاعسا من قبل شعبه الذي أوكل إليه الدفاع عن حقه بالحياة الآمنة والكريمة وفي أن يتمتع بلده بسيادة كاملة وغير منتقصة واستقلال ناجز وجيش وطني باستطاعته بسط سلطته الفعلية على كامل التراب اللبناني. فلبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تسيطر فيها ميليشيا طائفية فئوية على قرار هذه الدولة بقوة السلاح والأمر الواقع، ولبنان عمليا هو بلد مخطوف ومسير ومسلوب الإرادة وشعبه مغلوب على أمره، وبالتالي من يتوقع من بكركي أن تهادن هذه الحالة التي قال البطريرك إنها شاذة وأن تغض النظر عنها، هو واهم ويتجاهل عن سابق تصور وتصميم تاريخ الكنيسة المارونية التي ناضلت من أجل لبنان الكبير والاستقلالين الأول والثاني وقيام الدولة اللبنانية، لأن الدولة في نظر هذه الكنيسة هي التي تشكل ضمانة وحماية للمسيحيين ولجميع اللبنانيين.

إن تثبيت المسيحيين بأرضهم ليس مهمة تقنية إدارية كمل يحلو للبعض تصوير المسألة ويأخذ على البطريرك الماروني "تقاعسه" في هذا المجال إلى حد الكلام عن توجه فاتيكاني لعزله. فالهجرة المسيحية تاريخيا لها سببان لا ثالث لهما: الأوضاع الأمنية غير المستقرة وغياب الحريات العامة، والسبب الثاني له علاقة بمحدودية فرص العمل والضائقة الاقتصادية. ولا يمكن مقارنة الهجرة في هذا الزمن بما كانت عليه في القرن السادس عشر أو السابع عشر، عندما كان المسيحي يكافح للعيش حفاظا على أرضه التي كانت تشكل مصدر عيشه ورزقه، وعندما كان السفر مشقة ومجازفة نحو المجهول، بينما سهولة وسائل النقل اليوم غير المتوافرة في الماضي تدفع الناس للبحث عن أي بلد في هذه "القرية الكونية" يحفظ لهم كراماتهم وأمنهم وحرياتهم ولقمة عيشهم.

من هذا المنطلق، اختلفت أو تبدلت وظيفة الكنيسة الأساسية من توفير المستلزمات الحياتية لبقاء الناس في أرضها إلى الدفاع عن فكرة أو مفهوم الدولة التي تؤمن المساواة بين الناس وتوفر الاستقرار للشعب. فالسبب الأساس لهجرة المسيحيين اليوم ليس تقنيا تتحمل الكنيسة مسؤوليته، إنما السبب هو فقدان الأمل بمستقبل البلد ومستقبل المسيحيين في هذا البلد في ظل حروب مفتوحة إلى ما لا نهاية ودولة عاجزة وميليشيا تستبد بإرادة الناس وتستبيح السيادة وتستخدم الوطن كساحة للآخرين على حساب أهل البلد. فالهدف كان وما زال تهجير المسيحيين من أجل وضع اليد السورية – الإيرانية على لبنان وجعل الجماعة المسيحية أقلية خائفة بحاجة إلى حماية خارجية. ومحاربة هذه الهجرة لا تتم فقط عبر تشجيع الناس على البقاء في أرضهم، لأن المسيحي وأي مواطن آخر لا يرضى العيش في القرن الواحد والعشرين مذلولا ومقيدا ومكبلا ومصيره مجهولا في حال جاهر برأيه وموقفه وأفكاره. كما أن الكنيسة ما زالت متقدمة بمسافات وفي كل المجالات التعليمية والاستشفائية والسياحية (السياحة الدينية) والفكرية على غيرها في لبنان والمنطقة. والمزايدة في هذا المجال ليست في محلها، لأن أهم الصروح الجامعية والمدرسية تديرها الكنيسة. وأهم المستشفيات تديرها الكنيسة وهلم دواليك.

وعلى هذا الأساس، ترى الكنيسة أن مهمتها "الرسولية"، إذا جاز التعبير، من أجل بقاء المسيحيين في أرضهم واستمرار فعالية دورهم، تكمن في الدفاع عن مفهوم الدولة وإعادة الاعتبار لهذه الدولة التي تشكل مفتاح الاستقرار والمدخل إلى الريادة المسيحية الوطنية. فلا مستقبل للوجود المسيحي الحر في لبنان خارج دولة مدنية ديمقراطية سيدة على أرضها. والقضية التي ناضل من أجلها القسم الأكبر من المسيحيين أقله منذ سقوط السيادة مع اتفاق القاهرة ما زالت هي نفسها، والاختلاف الوحيد هو في الشكل لا المضمون، لأن السيادة ما زالت منتهكة ولبنان الوطن ما زال ساحة بغض النظر عن العنوان إذا كان فلسطينيا أو سوريا أو حزب اللهي، وبالتالي المشكلة ليست في الكنيسة إنما في من تعب من مواصلة النضال من أجل أبسط قضية في هذا العالم وهي العيش بسلام.

فالحملة المنهجية على بكركي التي لم تتوقف منذ العام 1990 إلى اليوم هدفها كان وما زال إسكاتها أو تحييدها، لأنها أقدم وأصلب مؤسسة في لبنان والشرق والعالم، وصوتها مسموع في كل أرجاء المعمورة، ولعل مجرد تحييدها كي لا نقول اسكاتها يعني زوال لبنان ورحيل المسيحيين عن آخر بقعة في هذا الشرق. فقوة المسيحيين منذ نشأة لبنان الكبير متأتية من ثلاثة عوامل متداخلة ومتكاملة: الكنيسة المارونية، رئاسة الجمهورية ودينامية المجتمع الأهلي والمدني المسيحيين. وفي مراجعة سريعة ومبسطة منذ انهيار الدولة نستخلص بأن التصويب باستمرار هو على هذه العوامل الثلاثة. فليس بالصدفة أن يصار إلى اغتيال الرئيس رينيه معوض مع بدء تنفيذ اتفاق الطائف بغية سورنة رئاسة الجمهورية ومن ثم الانتقال لضرب حيوية المجتمع المسيحي وتدجين المسيحيين، وقد شكل حل حزب "القوات" واعتقال الدكتور سمير جعجع رسالة إلى كل من يعنيهم الأمر بضرورة التسليم بالأمر الواقع السوري. وبعد أن تمكنت سوريا من وضع يدها على الرئاسة الأولى وضرب الدينامية المسيحية انتقلت إلى تطويق بكركي. ولكن على الرغم من المام النظام السوري بالتاريخ، كما يدعي، فاته أن باستطاعة الكنيسة المتجذرة في هذه الأرض إعادة قلب المعادلة رأسا على عقب.

لكن اللافت أن العماد ميشال عون تبرع بتبني الخطة السورية المبرمجة الهادفة إلى ضرب الميزات المسيحية التفاضلية. فالشغل الشاغل للجنرال منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة في العام 1988 تمثل في استهداف رأسي الكنيسة المارونية والجمهورية اللبنانية وضرب كل الحيثيات الحزبية والمستقلة. فقوة المجتمع اللبناني في مكان معين تكمن في قوة مجتمعه الأهلي، هذا المجتمع الذي تمكن من إخراج سوريا من لبنان ومكن "14 آذار" من الصمود والفوز في الاستحقاقات الانتخابية على اختلافها، وحال دون نجاح مشروع "حزب الله" واستكماله 7 أيار. وأي متابعة أو تأريخ لحياة عون السياسية تفيد بأن ما بدأه الرجل بين عامي 1988 و1990 من استهداف بكركي وأحزاب الجبهة اللبنانية والشخصيات المسيحية المستقلة عاد واستكمله فور عودته إلى لبنان، فانقلب على مفهوم الدولة ومؤسساتها ودستورها الذي طالما ادعى الدفاع عن هذا المفهوم، ونقض كل الثوابت المسيحية وتاريخه الذي راكم على أساسه كل شعبيه، وها هو اليوم ما زال في الموقع نفسه في مواجهة بكركي وبعبدا والأحزاب والشخصيات المسيحية.

فمن يدعي الدفاع عن مسيحيي الشرق لا يضع كل ثقله لإضعافهم في مركز ثقلهم الأساسي لبنان وكأنه موكل بهذه المهمة. فلا وجود لجماعة مسيحية حرة في هذا الشرق من دون لبنان. والحفاظ على المسيحيين المشرقيين يبدأ من لبنان لا العكس. وخريطة الطريق للحفاظ على هذا الوجود المسيحي هي في دعم قيام الدولة ووقف استهداف المؤسسات الوطنية المسيحية من كنسية وحزبية، والإبقاء على التعدد والتنوع داخل البيئة المسيحية ودعم بكركي وبعبدا. فميزة لبنان بأنه البلد الوحيد في العالم العربي الذي رئيسه مسيحي وولايته غير قابلة للتمديد والتجديد دستوريا، وثمة باستمرار رئيس سابق للجمهورية. والخلاف مع رئيس البلاد، إن وجد، يفترض أن يكون من طبيعة سياسية لا شخصية انطلاقا من طموحات أنانية بالوصول إلى رئاسة الجمهورية ولو على حساب المسيحيين ولبنان.

ومن يدعي الدفاع عن مسيحيي الشرق لا يلتحق بمحور إقليمي في مواجهة دول العالم قاطبة، ويجعل المسيحيين خارجين عن الشرعيات الثلاث: المحلية والعربية والدولية. فمصلحة المسيحيين هي في التحالف مع قوى الاعتدال لا التطرف، ومع القوى الساعية للسلام لا الحرب، ومع القوى الحكيمة لا المغامرة، ومع القوى التي تدعم الشرعية في لبنان لا السلاح غير الشرعي، ومع القوى التي تريد أن يعود لبنان دولة فعلية وطبيعية لا استمرارها دولة شكلية محكومة بظروف استثنائية وتعمل لخدمة ولي الفقيه عوضا أن تكون أولويتها لبنانية صافية ونهائية.

لا مستقبل للمسيحيين في لبنان من دون استقرار. ولا ريادة أو فعالية مسيحية في ظل أوضاع غير مستقرة. ولا استقرار من دون دولة. ولا دولة خارج الشرعيتين العربية والدولية. وأي دعم لسلاح خارج الدولة على غرار دعم النائب ميشال عون لسلاح "حزب الله" هو إمعان في إضعاف الوجود المسيحي في لبنان وخروج تام عن ثوابت المسيحيين التاريخية.

فالدور الذي يقوم به البطريرك صفير هو بالتحديد الدور المؤتمنة عليه بكركي. فالأولوية في لبنان ما زالت للسيادة الوطنية التي يشكل استرجاعها مدخلا لوقف الهجرة المسيحية وعودة الدور المسيحي الطليعي. والهجمة الشرسة على البطريرك صفير سببها واحد أوحد هو تمسكه بالدولة والسيادة والحرية ورفضه لمقولة جيشين على أرض واحدة، وبالتالي من يفترض عزله هو من يعمل على عزل المسيحيين ونسج تحالفات غريبة عنهم وعن تاريخهم ويؤيد مشاريع فئوية وغير دولتية ويدعم مقاومات وهمية ويبقيهم وسط حروب عبثية، لا لشيء إلا انتقاما على رئاسة هدر حظوظها بنفسه نتيجة سلوكه ونهجه، ورهانا على فرصة إضافية لرئاسة مسيحية ولو من دون مسيحيين.

ومن يتباكى على تقاعس بكركي من المفيد تذكيره بأن الكنيسة المارونية هي من أكثر الكنائس دينامية وحيوية، ويكفي في هذا المجال متابعة ما صدر عنها من أعمال وأوراق وبيانات ومبادرات بدءا من السينودس من أجل لبنان مرورا بالارشاد الرسولي وصولا إلى المجمع الماروني وثوابت الكنيسة المارونية. وهذه الحيوية الكنسية هي التي أبقت شعلة الإيمان والحرية في نفوس المسيحيين، وحالت دون يأسهم وقرفهم واستسلامهم وخضوعهم لسلطة الأمر الواقع، وأدت في نهاية المطاف إلى إخراج الجيش السوري من لبنان. ولعل هذه الحيوية نفسها، مع كلام البطريرك الذي لا يعلوه كلام، ستشكل هذا الجسر للعبور إلى دولة الاستقلال الثاني.

خبر عاجل