كيف يمكن التوصل إلى منع التوطين وعدم الاكتفاء بمجرد رفضه
اشتراط ضمان حق العودة لتوقيع سلام مع إسرائيل
يقول وزير سابق متابع لملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ان المشكلة ليست في الاتفاق على اعطائهم حقوقهم الانسانية وحتى المدنية، ولا خلاف كبيرا على ترسيم حدود هذه الحقوق وما يقابلها من واجبات. انما المشكلة هي في التوصل الى قرارات تضمن حق عودتهم الى ديارهم وتمنع توطينهم حيث هم. فاللبنانيون والفلسطينيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم اتفقوا على رفض التوطين واكدوا هذا الرفض في مقدمة الدستور ومستعدون لان يعيدوا تأكيده بقانون يصدر عن مجلس النواب ويقضي بمنع تعديل النص الدستوري المتعلق برفض التوطين الا باجماع اصوات النواب، وهو اجماع يستحيل تحقيقه.
لكن هل يكفي نص دستوري يؤكد رفض اللبنانيين للتوطين وتأكيد الفلسطينيين من جهتهم حق عودتهم الى ديارهم لتحقيق كل ذلك ما دامت اسرائيل بكل احزابها ترفض حق العودة وتطالب صراحة بان يتم توطينهم في الدول التي يقيمون فيها، لا بل ان قادة فلسطينيين ذهبوا الى حد الدعوة الى تجنيسهم لانهم يعتبرون ان الاصرار على حق العودة هو من الاسباب الرئيسية لعدم التوصل الى اتفاق على تحقيق سلام اسرائيلي – فلسطيني بدليل ان اتفاق اوسلو ارجأ حل مشكلة اللاجئين الى مفاوضات الحل النهائي.
وهكذا فان الفلسطينيين يواجهون مشكلة بناء المستوطنات اليهودية على اراضيهم المحتلة بحيث لا يبقى لهم فيها، مع الوقت، مكان لاقامة دولتهم المستقلة القابلة للحياة، وهو ما يعرقل حتى الآن نجاح المساعي لمعاودة المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، ولا تأبه اسرائيل لشتى الضغوط الدولية وحتى للولايات المتحدة الاميركية لوقف اعمال البناء لان اسرائيل تعتبر ذلك من اهدافها الحيوية، كما ان الدول العربية ومعها المجتمع الدولي ليست قادرة حتى الآن، على تأمين حق العودة للاجئين الفلسطينيين لمنع توطينهم، لان اسرائيل ترفض بشدة هذا الحق وتسعى بكل ما لديها من نفوذ لتوطينهم حيث يقيمون. وهكذا يواجه الفلسطينيون في فلسطين المحتلة مشكلة بناء المستوطنات التي تحول دون قيام دولتهم المستقلة القابلة للحياة، ويواجه فلسطينيو الشتات مشكلة منعهم من العودة الى ديارهم ليفرضوا عليهم القبول بالتوطين. والسؤال المهم والاساسي المطروح هو: ليس ان نعطي اللاجئين الفلسطينيين حقوقهم الانسانية وحتى المدنية وهو ما يمكن التوصل الى اتفاق في شأنه، انما كيف نؤمن لهم حق العودة ونمنع توطينهم حيث هم، وكيف نضمن للفلسطينيين حق اقامة دولة مستقلة لهم وهو حق لا يمكن ضمانه مع استمرار اسرائيل في بناء المستوطنات.
ويضيف الوزير السابق ان ما يؤمن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ويمنع توطينهم، ولاسيما في لبنان نظرا الى ضيق مساحته وضعف امكاناته ودقة تركيبته الديموغرافية هو الآتي:
اولا: توظيف كل الامكانات والصداقات العربية لدى الدول الكبرى صاحبة القرار لحمل اسرائيل على القبول بحل الدولتين وهو الحل الذي نادى به الرئيس الاميركي باراك اوباما ولا يزال مصرا عليه ويسانده في ذلك الاتحاد الاوروبي، لكن لا شيء يدل حتى الآن على ان اسرائيل في ظل حكومة نتنياهو المتطرفة تقبل بهذا الحل الذي يشكل خطوة اولى مهمة على طريق منع التوطين، وتأمين حق العودة لكل فلسطيني يرغب في ذلك، ودفع تعويض لمن لا يرغب، فعندما يملك كل فلسطيني جواز سفر، يصبح قادرا على اختيار مكان اقامته واختيار نوع العمل الذي يريد وان تطبق عليه قوانين الدولة التي يقيم فيها كسائر رعايا الدول.
ثانيا: ان لا يتم توقيع اتفاق سلام شامل مع اسرائيل الا بشرطين: قبول عودة من يرغب من اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم والى الدولة الفلسطينية التي يكون قد تم قيامها، وعندها لا يكون بناء المستوطنات قد حال دون قيام هذه الدولة، ولا يعود عندئذ اعطاء الحقوق الانسانية وحتى المدنية للاجئين الفلسطينيين مانعا لحق العودة وجاعلا التوطين هو الحل. وانه من دون اتفاق الدول العربية على مستوى قمة، وبدعم من المجتمع الدولي، على الاخذ بهذين الشرطين في اي اتفاق سلام مع اسرائيل، فان التوطين يبقى هو الحل الوحيد المتاح حتى لو ظل مرفوضا من كل اللبنانيين ومن كل العرب، وسيكون حل الامر الواقع الذي يبدأ التمهيد له باعطاء اللاجئين الفلسطينيين كامل حقوقهم الانسانية والمدنية وليس حق العمل المحدد بل حق ممارسة المهن الحرة والانتساب الى النقابات، وحق التملك والافادة من كل التقديمات التي ينالها اللبناني، بحيث يصبح لهم بعد مرور وقت حق طلب الحصول على الجنسية وهذا ما حصل من قبل مع لجوء اثنيات متعددة الى لبنان. وعندما يتوصل اللاجئون الفلسطينيون الى الحصول على كامل حقوقهم فان وكالة "غوث اللاجئين" تتوقف عن تأدية الخدمات المطلوبة منها، وينتقل عبء تأديتها الى لبنان، مع ان الحقوق الانسانية المطلوبة من الدولة اللبنانية ينبغي الا تكون بديلا من مسؤولية الامم المتحدة (الاونروا) ولا ينبغي ايضا ان تؤسس لانخراط اللاجئين الفلسطينيين في الشأن الوطني اللبناني، ولا الاندماج في المجتمع اللبناني، خصوصا ان لا احصاءات رسمية واحدة تبين عددهم سواء داخل المخيمات او خارجها.
الواقع ان خطر التوطين لا يزول بمجرد رفض اللبنانيين والفلسطينيين ولا حتى بمجرد وضع نصوص دستورية وسن قوانين، انما يكون باتخاذ خطوات عملية تبدأ باقامة الدولة الفلسطينية ورفض توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل اذا لم يتوقف بناء المستوطنات ويتأمن حق العودة للاجئين الفلسطينيين. والا فان الدول المضيفة ولبنان تحديدا، نظرا الى دقة تركيبته الديموغرافية وضعف امكاناته وضيق مساحته، سوف تجد نفسها امام حل الامر الواقع، اي التوطين، فيوضع لبنان عندئذ امام الخيارات الصعبة وهي: اما القبول بالتوطين او مواجهة اعباء اللاجئين اقتصاديا وامنيا اذا تخلت "وكالة الغوث" عن تحمل هذه الاعباء عن الدولة اللبنانية بهدف فرض هذا الحل، فيصير محتوما عليها تحمل هذه الاعباء، والا تحولت المخيمات الفلسطينية قنبلة موقوتة تفجرها المشكلات الانسانية والاجتماعية وتحولها الى مشكلة سياسية وامنية.
وللتأكيد ان خطر التوطين يتقدم على كل خطر آخر ولن يبعده لا اعطاء الحقوق الانسانية ولا المدنية، هو عرض سابق بـ20 مليار دولار على الرئيس لحود للقبول بالتوطين ولتسديد جزء مهم من الدين العام على لبنان، وقول مسؤولين اميركيين ان الزعماء الاسرائيليين يتمسكون بعدم الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين وان على اللبنانيين ان يقتدوا بدول اخرى مضيفة لان قضية هؤلاء في لبنان لن تجد لها حلا الا بعد حل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، ثم سؤال الرئيس الاميركي السابق جورج بوش البطريرك الكاردينال صفير ماذا نفعل باللاجئين الفلسطينيين اذا كانت اسرائيل ترفض اعادتهم للاقامة في فلسطين، ولان هذه العودة قد تسبب مشكلة ديموغرافية لاسرائيل.
لذلك فانه عوض الخلاف على اي حقوق ينبغي ان تعطى للاجئين الفلسطينيين يجب الاتفاق ليس على شعار رفض التوطين بل على قرار بمنعه ويحول دون فرضه.