حتى مع افتراض أعلى درجات الواقعية في التعامل مع ظاهرة نبش ملفات عشوائية واثارة افتعالات سياسية وطوائفية حولها، وهي ظاهرة تتنامى بسرعة مقلقة منذ أسابيع، لا يمكن التسليم "ببراءة" هذا المنحى على مشارف صيف قيل فيه إنه مقبل على تسجيل أعلى رقم قياسي في استعادة أمجاد لبنان السياحية.
لم تعد هذه العشوائية مسألة عابرة ما دامت تقفز على مبدأ بديهي هو التسليم بأولويات بيان وزاري صاغ لحكومة الوحدة الوطنية مسارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولم يحدث طارىء جليل، لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الاقليمي والخارجي يبرر جنوح أي قوة مشاركة فيها نحو ابتداع أولويات استثنائية أقله من "الطراز" المثير للشبهة في استثارة "المعارك الاستباقية" إلا اذا كانت هناك عوامل طارئة برزت خلف الخطوط وأينع زمن دفعها الى الواجهة.
يتساءل العامة من اللبنانيين، على الأرجح، عن أسرار اندفاعة محمومة بات معها التنقيب عن "ثروة نفطية" مكنوزة منذ عقود أولوية الاولويات حتى استفاق لبنان على أطماع اسرائيل التاريخية المثبتة في مياهه وأرضه وباطنه أسوة باستهدافها لتركيبته التعددية؟
أين كان ذلك الرصد القومي لهذه الاطماع سحابة أكثر من 60 عاما من نشوء الكيان الاسرائيلي وتدفيعه لبنان أكبر الأثمان الوجودية اطلاقا بعد أهل فلسطين، فحوله أرض لجوء لا يحتملها وأرض اجتياحات تعاقبت على تدميره اكثر مما فعلت الزلازل؟
واذا كان لا بد من مواجهة خطر طارىء شهرته اسرائيل اخيرا عبر التنقيب في باطن المياه الاقليمية، فأي رسالة توجه الى العدو والمعادلة السافرة في الصراخ اللبناني هي ان الصراع هو على سلخ جلد الدب قبل اصطياده على الطريقة إياها التي تتقاسم فيها الطبقة السياسية مجالس المنافع وصناديقها؟
ثم أي حقوق مدنية او اجتماعية او انسانية ستعود للاجئين الفلسطينيين، لو سلمنا جدلا بأحقيتها او بقدرة لبنان على منحها، اذا قيض لهذه المعركة الاستباقية بدورها أن تعيد عقارب الساعة 35 عاما الى الوراء لتنبش شياطين الانقسام الطائفي وكل ملحقاته ومشتقاته اللبنانية والفلسطينية سواء بسواء؟ وأي دخول هذا الى هذا الملف المحمل بالشجن والحامل لكل ما يثير الريبة في افتعال خطوط الفرز بين "الاخوة الاعداء"؟ وأي تفسير لهذا العرض الناري الذي أعقب اثارته مستحضرا معه كل العصبيات والعنصريات أسوة بالمزايدات القومية سواء بسواء؟
وما دام الشيء بالشيء يذكر، ما سر المعركة الاستباقية الجديدة التي تلوح بوادرها الشديدة السلبية في مسألة المحكمة الخاصة بلبنان خصوصا على ألسنة "أقل المعنيين" بها؟ بدأ الردح في هذا الملف يتصاعد كأن أصحاب "المعرفة" يملكون سلفا كل المعطيات والمعلومات وكأن القرار الاتهامي ملك أيديهم. فمن قال ان كل ما يقال ويشاع ويتردد هو "ابن الحقيقة" القاطعة التي طال انتظارها؟ ومن قال إن باب المفاجآت أقفل عند هذه الاجتهادات؟ ولماذا الهجوم الاستباقي والدفاع الاستباقي على ألسنة أقل المعنيين، فيما المعنيون "الوازنون" هم أقل الكلام في ما يعني هذا الملف؟
هي عينات من يوميات تتسلل الى الواقع اللبناني بتدرج يصعب معه اقناع الناس ببراءتها وعفويتها. وعسى أن تكون بنت سليقة تهوى المعارك الاستباقية، فالمفعول يبقى أهون الشرين في حال كان يُراد للصيف الموعود ان يلتهب بغير حرارته الطبيعية.