#adsense

كفيفان حدث يلغي أسطورة احتكار فريق لـ”الشرف”

حجم الخط

حضور سليمان والحريري يرسّخ منطق الثنائية الإسلامية ـ المسيحية المبنية على المناصفة
كفيفان حدث يلغي أسطورة احتكار فريق لـ"الشرف"

يأتي الحدث الدينيّ والوطنيّ من دير كفيفان كنعمة في فترة "نحن بأشد الحاجة إليها" كما قال البطريرك المارونيّ. إنّها حاجة تبرزها تحديات ثلاثة: روحيّ، وأخلاقيّ، وكيانيّ وجوديّ.

هي تحديات متشابكة، مترابطة، متداخلة. تماماً مثلما يتمازج التحلّل الروحيّ والفساد الأخلاقيّ والتفسّخ الكيانيّ في المقلب الآخر. وتماماً مثلما تحتشد عناصر التزمّت والشعوذة والغلوّ والإلحاد لمواجهة الفكرة الإسلاميّة المسيحيّة المشتركة عن لبنان، والهويّة اللبنانيّة المبنية على المناصفة الدائمة الإسلاميّة المسيحيّة.

سواء قيس الأمر من زاوية محض روحيّة أو أخلاقيّة أساساً أو كيانيّة وجوديّة، فمن الواضح أنّنا في مفترق، وأنّ حدث كفيفان هو مناسبة لإعادة وزن الأمور على هذه الصعد الثلاثة، والربط بينها.

فلحظة إعلان الأخ أسطفان نعمة طوباوياً تتزامن مع حملة لا سابق لها ضد الهويّة اللبنانيّة، وحملة لم يسبق أن خيضت بهذا الشكل الحاقد ضد الكنيسة المارونيّة ورأسها، وحملة تحريض منهجيّ ضدّ خط الإعتدال المسلم السنيّ العربيّ وضدّ التيّار السنيّ الليبراليّ في لبنان، وحملة استباقية ضدّ كل إشعاع نجفيّ شيعيّ أصيل يتسرّب إلى لبنان "المقاومة والممانعة".

والطريف في الموضوع أنّ الفئة الشموليّة المسلّحة التي تخوض في الأزمة اللبنانيّة، من موقع الإنتساب إلى أيديولوجيا تحمل جذوراً ميثولوجية خالصة، وبصمات تسييسية توظيفية واضحة، هي نفسها تلك الفئة التي تستعين بمجموعة من الملاحدة لشنّ الحملة على المرجعيات الدينية اللبنانية، وعلى القيم الأساسيّة لدى متبعي الديانات في لبنان.

فلئن كانت قوّة لبنان بالتعايش الدينيّ بين الإسلام والمسيحية والعيش المدنيّ المشترك بين المسلمين والمسيحيّين، إلا أنّ البعض يريدها قوّة تخليط عشوائيّ بين المعتقدات الدينية، على أساس ميثولوجيا الصراع الكونيّ بين أصل للخير وأصل للشرّ، وعلى قاعدة تقديس بل تأليه الأداة التقنية، السلاح، أي إحلال الوسيلة مكان الهدف، ثم رفع الوسيلة فوق كل شيء.

وإذا ما عدنا إلى جان جاك روسو نجد أن كل دولة حديثة بحاجة إلى اصطفاء قيم أساسية دينية أو وضعية ودمجها في ما يسميه، تجاوزاً، بـ"الديانة المدنيّة". والحق أنّ في لبنان الآن صراعاً بين ديانتين "مدنيتين":

الديانة المدنية الأولى عنوانها "المناصفة الإسلامية المسيحية" وتقوم على احترام كل طائفة لخصوصيّة الأخرى، واحترام الجميع لحريّة الضمير والمعتقد بالشكل الذي يقرّه الدستور، ومساواة الجميع أمام الدولة فلا يكون سلاح لفئة دون أخرى، ولا يكون عنصر أشرف من آخر، بل يكرّس مبدأ المواطنية، ويحرّر "التعدّد" من سلطان "العدد"، بل يصير "التعدّد" ضامناً للمناصفة في "العدد" على صعيد المؤسسات الدستورية، ومشجّعاً لاصطلاح حال التوازن العددي على الصعيد المجتمعي.

أما الديانة "المدنيّة" الثانية فعنوانها "المقاومة". وهي في الحقيقة ديانة غير مدنيّة لأنّها تلغي مبدأ المساواة في المواطنية، وتقول بعنصر أشرف من سواه، وتردّ الشرف إمّا إلى أسباب "سرّية" هي وقف على الخاصة المصطفين من القوم، وإمّا إلى أسباب "عضلية" تتصل بالقدرة على إمتشاق السلاح، وبواقع إمتلاك السلاح. هذه الديانة "اللامدنية" تلعب على وتر "الهواجس الديموغرافية"، أي تحرّك سلطان "العدد" بوجه كل تعدّد، وتعمل بالتالي على توسيع الخلل في الميزان العددي على الصعيد المجتمعي. وهي فوق كل ذلك لا تحترم مبدأ احترام كل طائفة لخصوصيّة الأخرى، إذ يعميها خلطها المزمن بين المرجعيات الدينية والمرجعيات الحزبية.

وأطرف ما في الأمر أنّ هذه الديانة الجديدة التي اسمها "المقاومة" مرتبطة بأيديولوجية دينية سياسية على الصعيد الأمنيّ، لكنها مرتبطة بمجموعة من الملاحدة على الصعيد الإعلاميّ، وهؤلاء تكون وظيفتهم أحياناً استهداف المرجعيات والقيم الدينية لدى الطوائف الأخرى من دون حرج ما داموا ملاحدة، لكنهم حين يطلب منهم الجود في باب تقديس السلاح تراهم لا يبخلون.

إنّها مشهدية مضادة لحدث كفيفان الروحي، الديني، الوطنيّ. في المقابل، فإن هذا الحدث يجد في حضور الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري إلى كفيفان مشهدية تكرّس معاني الثنائية والمناصفة والتسامح بين المسلمين والمسيحيين، على قاعدة إحترام كل طائفة لخصوصية ومرجعية الطائفة الأخرى، وإحترام الجميع لحرّية الضمير والمعتقد. وأياً كان الموقف الحاليّ لرئيس الجمهورية من موضوع "المقاومة"، وأيّاً كان موقع رئيس الحكومة الحاليّ المستوجب أن يكون "لكل لبنان"، إلا أنّ هذه المشهدية الراقية المتمثلة بحضورهما المشترك، يمثّل بالتحديد منطق الثنائية والمناصفة والمواطنة، وبالضد من منطق المثالثة، ومنطق التخليط بين العقائد لأهداف سياسيّة أمنيّة، وبالضد من منطق حصر الشرف في عنصر بعينه. ذلك أن الشرف، والنعمة، للطوباويين. إن قضية إسطفان نعمة هي قضية المساواة في الشرف بين اللبنانيين.

ولو أنّ رئيس مجلس النوّاب حضر إلى كفيفان لكانت المناسبة ستكتسب أبعاداً وطنية أكثر، تجذّر هذا السبيل.. سبيل الثنائية والمناصفة والمواطنة، والتأكيد على أنّ كل اللبنانيين شرفاء عندما يضعون مصلحة لبنان فوق كل مصلحة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل