إذا لم يتحقق السلام الشامل قبل نهاية ولاية أوباما
"الستاتيكو" يستمر على حساب لبنان وفلسطين والعراق
يكرر سفير لبناني القول إن ثلاث دول هي التي تستفيد من استمرار الوضع الراهن "الستاتيكو". وهذه الدول هي: إسرائيل لأنها لا تريد سلاماً تدفع ثمنه غالياً حتى لو كان من كيس الفلسطينيين والعرب الذين تحتل أراضيهم، وليس في نيتها تالياً الإنسحاب منها كاملاً لأنها تطمع بالمياه، ولا تريد أن تقوم دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية، لذا تعمل على قضم الأراضي تدريجاً بإقامة مستوطنات عليها إلا إذا كانت شبه دولة أو مجرد حكم ذاتي للفلسطينيين، كما انها لا تريد عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم لئلا تشكل خطراً في المستقبل على الديموغرافية اليهودية. لذلك فإن اسرائيل تريد سلاماً بشروطها وليس بشروط العرب والفلسطينيين العادلة، أي السلام الذي يحقق لها الأمن ويبقي لها قسماً من الأراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها، وهذا يتناقض والقرارات الدولية ومبادئ مؤتمر مدريد التي تقول بمقايضة الأرض بالسلام وليس بمقايضة السلام بالسلام أو الأمن بالأمن.
والدولة الثانية المستفيدة من الوضع الراهن هي سوريا التي ترفض توقيع سلام مع إسرائيل ما لم تسترد الجولان كاملاً، وهي تالياً غير مستعدة لأن توقف مرور الأسلحة عبر أراضيها إلى "حزب الله" والى غيره من الأحزاب المقاومة ما لم يتم التوصل الى تحقيق حل شامل للصراع العربي – الاسرائيلي والفلسطيني – الإسرائيلي. وفي انتظار تحقيق ذلك، فإنها تجد نفسها في وضع مريح ولا شيء يزعجها في استمرار "الستاتيكو"، بل على العكس إذ إنها خلال فترة الانتظار هذه تزيد مساحة نفوذها في لبنان وقوة دورها في العراق وإمساكها بجزء من الورقة الفلسطينية بحيث لا يكتمل أي حل للقضية الفلسطينية وللصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بمعزل عن هذا الجزء من الورقة، ولا ضرر تشعر به سوريا من بقاء الجولان محتلاً، فهي من دونه حافظت على قوتها ودورها ونفوذها.
أما الدولة الثالثة المستفيدة من استمرار "الستاتيكو" فهي إيران لأنها تبقى في ظل هذا الوضع ممسكة بأوراق اللعبة في لبنان وفلسطين والعراق وحتى في أفغانستان وباكستان، وقد يساعدها مرور الوقت على تنفيذ برنامجها النووي فتصبح الدولة القادرة على تحقيق توازن نووي مع إسرائيل وغير إسرائيل، كما أن مرور الوقت يساعدها على مدّ نفوذها أكثر وأكثر في دول الخليج مع احتمال تغيير الأوضاع فيها لتصبح السيطرة الإيرانية عليها كاملة وتستمر في تزويد الاحزاب والتنظيمات المتشددة الأسلحة على اختلاف أنواعها وأحجامها لتكون ورقة ضغط ومساومة تتوصل باستخدامها الى خدمة مصالحها الحيوية.
في حين أن الدول المتضررة من استمرار "الستاتيكو" هي لبنان وفلسطين والعراق. فلبنان مع استمرار هذا الوضع لن تقوم فيه دولة قوية قادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها ولا يكون سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، ويبقى الوضع الاقتصادي والمالي معرضاً في اي وقت للانتكاسة إذا تعرّض الاستقرار السياسي والأمني للخطر، ويبقى لبنان أيضاً محكوماً بتوازن سلبي يفرض سياسة التوافق في اتخاذ المواقف والقرارات حتى في المواضيع العادية، ويسهل تدخّل الخارج في شؤونه الداخلية عندما يكون هذا الداخل غير متماسك وإن كان ممسوكاً…
واستمرار وضع "الستاتيكو" يضع مصير القضية الفلسطينية في المجهول فيتضاءل الأمل في إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية، لأن إسرائيل تكون قد أكملت تنفيذ خطة بناء المستوطنات ورسمت الحدود النهائية لدولتها، وبات مصير الشعب الفلسطيني في الشتات كمصير شعوب أخرى تهجّرت وفقدت أرضها ووطنها وأصبحت جالية من الجاليات في الدول التي تقيم فيها… أما العراق فإذا ظل يتخبط في أزمة قيام السلطة فيه ويعجز عن إعادة تكوينها على أسس سليمة وثابتة، فإنه يتحوّل ساحة للتجاذبات والصراعات الداخلية والخارجية المتعددة الشكل والهوية، وهو وضع يتسبب بمزيد من أعمال العنف والتشرذم ومواجهة خطر التقسيم الطائفي والعرقي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يستمر هذا الوضع المفيد لدول والمضر بدول، أم انه لا بد من الخروج منه باستعجال تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة، ومن هي الدولة القادرة على ذلك؟
يقول السفير اللبناني إياه إن أكثر من دولة تستطيع تحقيق السلام ولكن بأثمان متفاوتة، وقد يرسو تحقيقه على الدولة التي تستطيع ذلك بأقل كلفة. فإيران تملك القدرة على تحقيقه لكنها تطلب ثمناً غالياً هو تنفيذ برنامجها النووي. وإسرائيل قادرة هي أيضاً على تحقيق السلام لكنها تريد الاحتفاظ بجزء كبير من الأراضي العربية التي تحتلها، ولا تزال تعرقل قيام دولة فلسطينية لأن قيامها يشكل جزءاً أساسياً من الحل الشامل. وسوريا تستطيع ان تحقق سلاماً منفرداً معها إذا شاءت أن تتخلى عن مسؤولية تحقيق السلام الشامل، لكنها قد لا تفعل ذلك. وفي إمكان تركيا أن تكون الدولة القادرة على تحقيق سلام شامل في المنطقة لو لم تقع الأزمة بينها وبين إسرائيل. فهل يكون ثمن الخروج منها استعادة المبادرة لتحقيق هذا السلام إن لم يكن شاملاً فأقله خطوة خطوة؟
يبقى أن الولايات المتحدة الأميركية هي الأقدر على تحقيق هذا السلام، لكنها تبدو حتى الآن غير قادرة على استخدام كل ما لديها من وسائل ضغط لهذه الغاية، أو أنها غير راغبة في استخدامها، وإلا لكانت فرضت السلام على أي جهة ترفضه.
ويرى السفير اللبناني أخيراً أنه إذا لم يتحقق السلام الشامل والعادل في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما وعلى أساس الحل الذي اقترحه، وهو حل الدولتين، فقد يغدو من الصعب تحقيقه في المدى المنظور، ويصبح خطر استمرار "الستاتيكو" يفيد دولاً ويضر دولاً أخرى، وهو ما سيظهر مطلع السنة المقبلة.