يبدو واضحا للناظر إلى المشهد السياسي اللبناني، في زمن الحكم بالتراضي، أن في البلاد نهجين: واحد يدمن إدعاء العفّة الوطنية والسياسية، وآخر يدمن الإيمان بصوابية خطواته إلى حد تجاهل رشقات النار السياسية التي يرميه بها الأول، لكأن 7 أيار نمط لدى الأخير، وليس لحظة طارئة في مساره وعليه.
آخر هذه الرشقات أن تنبري أصوات من النهج المذكور للدعوة إلى تحديد العدو، مفترضة أن الأمر موضع خلاف بين اللبنانيين، وأن اتفاق الطائف، الذي ولد بإجماعهم، لم يحسم الأمر.
يتجاهل الداعون أن الخلاف ليس على تحديد العدو، بل على كيفية مواجهته، وأن رؤيتهم الضيقة لمجرى هذه المواجهة المستمرة منذ عام 1948، تحصرها في كون الحرب غاية بذاتها، وأن النصر يكون في منع العدو من إعادة احتلال لا تؤشر أي معطيات إلى أنه ينويه، أو حتى يفكر في تنفيذه. فالواضح منذ انسحابه من جنوب لبنان عام 2000 أن ما يعتزمه ليس سوى التدمير والتهجير وسفك الدماء، وإبقاء لبنان في القلق على المصير والمستقبل.
هذا القلق هو ما يريد الفريق اللبناني الآخر أن يجعله خلاّقاً بدل أن يكون مثبطاً، بأن ينقل الحرب إلى ميادين الوجود الكوني. فالقرن العشرون عبر على جثث، وأمام هامات، كان العرب، واللبنانيون معهم، من الأولى وليس من الثانية. فهو لم يسجل إنجازاً لهم، لا في العلم والتعليم ولا في الإبداع ولا في الأدب، لانشغالهم إما بقتال بعضهم بعضاً، وإما بالتحضير لاحتراب جديد، وإما لرد اعتداء اسرائيلي جديد، لكأن الأخير هو ما يبرر وجود البعض سياسياً، ويعطيه دوراً في الحياة العامة لا يتقن غيره. وليت هذا الاتقان، إن توافر، يهدف إلى "إزالة" هذا العدو، بل اثبات القدرة على مواجهته فقط لا غير. وحرب تموز 2006 ليست سوى شاهد. وترسيم الحدود المائية جنوباً ليس سوى إشارة تأكيد، وإلا فمع من نرسّمها؟
المشكلة ليست في تحديد العدو، بل في رسم طرق المواجهة معه: يستمر لبنان في حال استنفار تفقده الاستقرار، وتالياً بناء الدولة وتحقيق التقدم، وتوفير ظروف معيشية وإجتماعية أفضل لأبنائه. وتستمر اسرائيل في التقدم، وفي توفير ظروف العدوان الأفضل لها، والمعيشة الأرقى للمحتلين من سكانها، وتسجل "انتصارات" في العلم والتسلح والتقدم وكل شأن من وجوه الحياة، لأن بناء الدولة فيها خارج النقاش والنزاع.
تستمر اسرائيل في تقدمها وتطورها لأن سؤالها ليس من هو العدو، بل كيف تحمي وجودها، ليس بالمعنى العسكري وحده، بل من زاوية الترقي الإنساني والعلمي، ونستمر في التخلف لأن سؤالنا هو: من هو العدو، وليس كيف نحصّن وجودنا في وجهه بوجوه التقدم المختلفة، خصوصاً أن الصراع صراع وجود.
لا يختلف التساؤل عن تحديد العدو، عن تساؤلات أخرى تنثر في أجواء لبنان منذ فترة، لا يربط بينها سوى سعي خفي إلى استمرار التوتر السياسي الداخلي عند خط قابل للتزايد أو الخفض، حسب مقتضيات المتسائلين المضمرة وحاجاتهم: من غبار الهبة الأمنية الأميركية، إلى افتعال أزمة الـ11 مليار دولار، وصولاً إلى محاولة تحريك المخيلة الشعبية في ضوء الـ500 مليون دولار التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية إلى هيئات أهلية (جمعيات، وبلديات لا سيما في البقاع والجنوب)، إنتهاءً برائحة النفط التي فاحت جنوباً قبل ان يُكتشف، ونسي الغيارى أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان أول من طلب قوننة التنقيب عنه في المياه الإقليمية وأن غيره أضاع بوصلته، ويتهم الحكومة اليوم بأنها أضاعت السنوات الثلاث الأخيرة من دون الاهتمام به. (هل تذكرون كم أقفل مجلس النواب أبوابه ومن أقفلها؟ وكم وزيراً قاطع الحكومة ومن عطل أعمالها؟).
السؤال عن تحديد العدو، كما السؤال الذي روّج قبله عن تعريف العميل، ليسا سوى امتداد لتساؤلات أخرى ترمى في سوق المزايدة السياسية غير البريئة ليبقى لبنان عند مفترق الأزمة والحل، ينتظر خيارات إقليمية تعنيه لكنه ليس صاحب القرار فيها، ولو كان ميدانها الأول. على الأقل هذا ما يريده أصحاب الاسئلة التي لا تنتهي.