ترتب ظاهرة كشف شبكات التجسس والإختراقات المتعاملة مع إسرائيل، وآخرها ضبط إختراق لإحدى الشبكتين المشغلتين للهاتف المحمول، التوقّف عند مجموعة حقائق تكتسب أهمية كبيرة في هذا المسار التصاعدي.
أبرز هذه الحقائق، بداية، هي الظهور الفعّال لآلة الدولة وأجهزتها لا سيما منها العسكرية والإستخباراتية، حيث يجب أن تكون. فليس تطوراً عابراً أن تتراكم ما تربو على المئة حالة من التعامل، علماً أن العشرات منها لا تزال قيد التحقيق منذ سنتين. هذا التطوّر الأمني يعتبر في ذاته نقلة في مسار شديد الإلتباس والتعقيد، ووسط انقسام سياسي عمودي، أمكن معه على الأقل الحؤول دون تغلغل الإنقسام الى الأداة العسكرية والأمنية، بما وفّر لها التطوّر والتنامي بعد طول إضعاف بفعل التحكّم السياسي والشرذمة.
لو كان هذا العامل متوافراً من قبل، للجيش مثلاً، لما كانت تكلفة معركة نهر البارد بلغت ما بلغته. ولو توافرت حالة مماثلة للقوى الأمنية في السنوات السوداء المعروفة لما تمادت حرب الإغتيالات. ولو كان للقوى الأمنية والعسكرية معاً ما بات لديها الآن لما استباحت إسرائيل قطاعات وشرائح مختلفة بحرب الإختراقات والمتعاملين.
الحقيقة الثانية هي أن ظاهرة التعامل في ذاتها تنطوي على وجهين شديدي التعاكس. باب الخطورة القصوى فيها هي في "القابلية" الفردية لدوافع مختلفة على سلوك هذا المسلك الخطير الى حد الخيانة الوطنية. لكن الوجه الآخر المقابل لا يوحي بترابط مجموع هذه الحالات على وفرتها الى حد تشكيل حالة جماعية منسقة بما يعني أن لا أرضية "آمنة" تقف عليها هذه الظاهرة، ولا إمكان لقيام أي أرضية مماثلة.
الحقيقة الثالثة والواضحة تماماً هي أن جميع القوى السياسية حاذرت المزج بين الخلاف على مسألة السلاح والمقاومة والتسليم التام لمنطق الدولة في مواجهة ظاهرة الاختراقات والتعامل والتجسس لإسرائيل، بدليل أن القوى الأمنية والعسكرية أنجزت في سنتين ما لم تنجزه سابقاً في عقود، وتحديداً وحصراً ما لم تنجزه خلال حقبات "العصر الأمني" الصرف قبل عام 2005. بعض من إيحاءات هذه الحقيقة، التي "يفترض" أن تكون جارحة، يدفع الى التساؤل عن الفارق الهائل بين أجهزة زُجّ بها طوال 15 عاماً قبل 2005 في منقلبات القمع السياسي والأمني و"سهت" عن الإختراقات المعادية، وأجهزة حررت من "وظيفة" القمع والملاحقات السياسية فأعطت الإثبات القاطع على قدرتها على مواجهة إسرائيل في الحرب الخلفية التي تواصلها خلف خطوط الحرب الباردة.
أما الحقيقة الرابعة، فتتصل بحصانة التحقيق وموجبات الشفافية والتحفّظ في آن واحد. هذه المسألة هي الأخطر إطلاقاً في التوفيق بين موجبات مكافحة التجسس في بلد معرّض لهذا النوع من المواجهات الشرسة، وتجنّب التوظيف الدعائي المتسرّع أو إعطاء أي لون سياسي لأي "معلومة". وتدفع الى إثارة هذه الناحية موجبات التحفّظ عن الاتهام والتشهير حتى يصبح الموقوف متهماً بالمعايير القضائية الجادة والصارمة والمتجرّدة بالدرجة الأولى. ومن ثم حق الجميع في المعرفة المجرّدة والموضوعية من دون أي تلوين مقصود لطرق المعرفة. ففي مسألة كهذه كل لبنان معني، ولا تلاوين سياسية أو توظيفات أو سواها تبرر الإستنساب في وسائل المعرفة لأن أقل المحاذير لتلوين إستنسابي كهذا هو إثارة شكوك حول إنجاز أمني يفترض ألا تشوبه شائبة من لوثات السياسة والتوظيف.