… "تبدأ حريتك عندما تنتهي حرية الآخرين"، كلام مأثور، فيه من الحكمة ما يعطي أوضح تفسير للحرية وممارستها، وعملية ضبط وقائعها، حتى لا تتحوّل الى فوضى، وبالتالي كيلا تصبح مرادفة لأزمة أخلاقية بكل ما يعني ذلك من معان ودلالات.
وتأتي قضية توقيف القضاء لثلاثة أشخاص على خلفية قيامهم بـقدح وذم وتحقير رئيس الجمهورية اللبناني على موقع "فيسبوك" الالكتروني لتؤكد أن المسألة ليست مجرد تهجم على أرفع مسؤول في الدولة ورئيس كل سلطاتها، بل هي عملية انفلات بتوجيه الشتائم والسباب الى أعلى موقع سيادي في البلاد.
من الطبيعي هنا أن يتحرك المدعي العام حكماً وتلقائياً عندما يتعلق الامر برئيس الجمهورية من دون الحاجة الى شكوى من المتضرر، وهؤلاء الذين اطلقوا عبر "الفيسبوك" كلاماً مسيئاً بحق الرئيس، واستعملوا تعابير غير لائقة، عجزوا في حقيقة الامر عن الفصل بين الحريات المسموح بتعاطيها وبين ما يشكل خروجاً فجاً ووقحاً عن الاصول والقواعد الاخلاقية والسياسية والقانونية.
.. طبعاً، نحن مع حرية الرأي شرط ألا يتم استغلال هذه الحرية للتعرض للمقامات، وتوصيفها بما لا يليق بها ولا بأي إنسان، وهؤلاء الذين أطلقوا عبارات القدح والذم بحق رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان خرجوا عن كل الاصول، إضافة الى مخالفتهم القوانين المرعية الإجراء، والأكثر من ذلك انهم وقعوا في سوء فهم معاني الحرية وحدودها، فذهبوا الى حد الذم الشخصي، بما لا يمكن تفسيره إلا بأنه تعرّض بالإهانة لرئيس الجمهورية ولما يمثله من موقع سيادي رفيع.
… كان من المفترض أن يتعامل هؤلاء مع موقع "الفيسبوك"، خصوصاً، بمسؤولية وطنية كبرى، فمثل هذا الموقع يتصفحه مئات الملايين في العالم، وإذا كان أهل هؤلاء الذين اعتبر بعضهم أن توقيف أبنائهم جريمة بحق التعبير عن الرأي، فهؤلاء بكل أسف وقعوا في سوء فهم أيضاً، وكان عليهم مراقبة أولادهم وإرشادهم حتى لا ينجروا الى المأزق الذي هم فيه الآن، وإذا كان بعض السياسيين قد استند الى المادة 13 من الدستور، والتي تكفل أيضاً حرية الرأي لم يدركوا أن الحرية هي نقيض الفوضى، وحرية الرأي لا تعني التعرّض للآخرين وتوجيه عبارات السباب والشتم إليهم.
.. في مطلق الاحوال، فإن الكلمات المسيئة بحق الرئيس الوفاقي العماد ميشال سليمان إساءة الى كل لبناني، وهي إساءة الى هذا الوطن، والقانون واضح في هذا المجال، وهو يقول إن من صلاحية القضاء التحرك تلقائياً لملاحقة المتجاوزين وتوقيفهم وإحالتهم الى المراجع المختصة وفقاً للاصول.
… كنا نتمنى أن يترك القضاء يقوم بالمهام الموكولة إليه، وألا تثار هذه الضجة من بعض الاهالي وبعض السياسيين، فكرامة فخامة رئيس الجمهورية هي من كرامتنا جميعاً، وهو يمثل هذا الوطن بجميع أبنائه وأطيافه، ومعيب جداً أن يتم شتمه، كما حصل على موقع "الفيسبوك" من الشبان الذين هم اليوم في عهدة القضاء.
.. مرة أخرى، علينا احترام الحرية ومعانيها ودلالاتها، وألا نستغلها بشتم الآخرين، وموقع رئاسة الجمهورية يجب تنزيهه واحترامه، وإذا كان لا بد من توجيه النقد الى بعض السياسات فهذا أمر مشروع في أطر موضوعية بعيداً من التطاول على شخص الرئيس.