في كل دول العالم تكتشف مخابراتها جواسيس بالمفرق أو شبكات جواسيس بالجملة لدول أخرى، فقط في لبنان يسارع الكتبة إلى ترويس أقلامهم ومقالاتهم ويحللون ويخترعون ويفصّلون ويخيّطون "تلبيسات" جاهزة، وثمة محاولة دائمة تسعى إلى ربط كلّ اختراق أمني للموساد الإسرائيلي في لبنان بالمحكمة الدولية والاغتيالات السياسيّة التي طاولت لبنان والداعين فقط إلى "سيادته واستقلاله" بالاغتيال أو محاولات الاغتيال…
وفي لبنان فقط تسارع بعض الصحف إلى تسريب معلومات عن مصادر أمنية "متكتمة" جدا عن اكتشافات مذهلة، "ولووووووووووو"!! كل هذا الاستخفاف بعقول الناس، شبكات تجسس بالجملة تساقطت في أيدي القوى الأمنية ومخابرات الجيش، تبقى أبرزها على الإطلاق شبكة مروان فقيه، تلك التي اخترقت بأموالها وصداقاتها وبأجهزة رصد وتجسس سيارات قيادات في حزب الله وتم اكتشافها بالصدفة…
لطالما اخترقت أجهزة المخابرات أجهزة الدول، اخترقت إسرائيل سورية بجاسوس احتل منصبا متقدما في الدولة هو ايليا كوهين في عهد صلاح جديد في اواخر ستينات القرن الماضي، واخترقت مصر إسرائيل بجواسيس كما اخترقت إسرائيل مصر بجواسيسها، واخترقت مخابرات يد الثورة الطويلة في ليبيا فتبجحت باقتصاصها من خائن مناوئ للأخ العقيد معمر القذافي لم يكن حينها قد حمل كل الألقاب التي يحظى بها اليوم ـ وكان ان تلقت هذه المخابرات صفعة من المخابرات المصرية بعد عملية تمويه محكمة أوقعت "الانتفاخ" الليبي في الفخّ!!
وبالأمس القريب اخترق الموساد الإسرائيلي مدينة دبي في عملية اغتيال تحولت إلى فضيحة دولية أدخلت إسرائيل في أزمات ديبلوماسية بالجملة مع دول الغرب وبينها دول حليفة لها طردت ديبلوماسيين إسرائيليين لتزويرهم جوازات سفر لمجموعة ضخمة من الجواسيس لتنفيذ عمليّة اغتيال رجل واحد و"خنقا" وليس بألفي طن متفجرات في وضح النهار، كما في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري!!
وبالأمس تحديدا وفي وقت يفترض فيه أن العلاقات الأميركية – الروسية سمن على عسل تم الكشف عن شبكة تجسس لحساب الروس على أرض الأميركان، والقاسم المشترك بين كل هذه الدول أن لا حالة حرب ولا عداء حاليا بينها، فكيف الحال بلبنان وهو في حالة حرب مع إسرائيل.
ثمة من يريد أن يطلق النار على المحكمة الدولية أولا، مع أن السؤال البديهي: "ليش ما كان في عملاء لمخابرات أخرى وربما كثيرة غير عملاء الموساد في لبنان عام 2005 ثم يتمادى في وقاحته ثانيا فيذهب إلى قسمة اللبنانيين بين ثقافتين: "ثقافة المقاومة" وما تم تسميته بالأمس "ثقافة العمالة"ـ مع تحفظنا على المعنى الاصطلاحي المسطح والمفلطح والمبلطح للمصطلح المركب من كلمتين: ثقافة ومقاومة أو ثقافة وعمالة -فهذا كلام خطير جدا يحول أكثر من الشعب اللبناني إلى جواسيس.
يبقى أن نطرح تساؤلا عن علاقة المحكمة الدولية مثلا بشبكة مروان فقيه في النبطيّة التي اخترقت حزب الله في عقر داره، أو عن علاقة العملاء الذين تم القبض عليهم وهم ضباط في الجيش اللبناني… "حاج تاكلو راس الشعب اللبناني"، لن يكون العميل الأول ولا الأخير طبعا، فالخيانة والعمالة موجدتان منذ كانت الدول والجيوش والحروب، ولطالما كان لكلّ حرب خونتها وعملاؤها، ولطالما تواطأ ناس على أوطانهم وباعوها بثمن بخس قليل، منذ إخوة يوسف عليه السلام وحتى السيد المسيح عليه السلام والثلاثين فضة ويهوذا الإسخريوطي، وصولا إلى شبان قريش العشرة ومؤامرة ضربة رجل واحد لقتل النبي صلوات الله عليه… فـ "حاج تحللوا الله يهدّكن"!!