#adsense

المضبطة الاتهامية “ضد اللبنانيين” مقيتة ومُدانة

حجم الخط

العبارات "غير اللائقة" سياسياً تسيء الى المصلحة الوطنية كما الى حقوق الفلسطينيين
المضبطة الاتهامية "ضد اللبنانيين" مقيتة ومُدانة

كثيراً ما يستسهل العدميّون الحديث عن "عنصريّة اللبنانيين".
يمكن اختصار المضبطة الإتهاميّة العدميّة بالشكل التالي: اللبنانيّون متّهمون بكنّ أو إظهار المشاعر العنصريّة ضدّ بعضهم البعض، والتصرّف بعنصريّة تجاه أبناء الشعوب العربيّة من المقيمين على أرضهم، مجبرين أو بداعي العمل، كما أنّهم عرقيون تجاه أبناء البشرة الداكنة، وتجاه اللآسيويين، ثمّ إنّ الجنسيّة اللبنانيّة تنتقل بصلة الدم الذكوريّة. المقلب الآخر لهذه المضبطة الإتهاميّة العدميّة أنّ اللبنانيين دونيّون إقتصاديّاً تجاه أثرياء العرب، ودونيّون حضارياً تجاه الإنسان الأوروـ أميركيّ الأبيض ولو لم يكن يملك فلساً.

وهكذا فإنّ هذه المضبطة الإتهامية العدميّة تدعو اللبنانيين إمّا إلى جلد الذات تحت وطأة "رُهاب العنصريّة"، وإمّا إلى ردّة فعل حمقاء تتصوّر أنّ الجرأة هي في ملامسة حدّ العنصريّة والعرقيّة وفي الإدمان على المفردات والتعابير "غير اللائقة سياسيّا".

كلّ ذلك من دون مساءلة هذه المضبطة الإتهاميّة العدميّة بحدّ ذاتها وما تخفيه هي من عنصريّة مختلطة بكمّ فظيع من الرياء. ذلك أنّ وصف عنصر ما بأنّه متأصّل في العنصريّة ما هو إلا وصف عنصريّ. فكيف الحال إذا كان يراد من هذا الوصف إلقاء جريرة العنصريّة على جماعات إثنية دينيّة مضطهَدة على امتداد القرون؟ هذه المضبطة الإتهاميّة العدميّة "ضدّ عنصريّة اللبنانيين" هي في الواقع مضبطة عنصريّة وطائفيّة في آن، ومشكلتها الأساسيّة هي مع التنوّع الدينيّ الذي يصنع لبنان، ومع الثنائيّة الإسلاميّة المسيحيّة التي تشكّل علّة وجوده واستمراره، خصوصاً إذا ما استقرّت على أساس المناصفة الحيّة والدائمة. كذلك، فإنّ حصر "الشرف" في عنصر واحد، بدلاً من تعميمه على كل اللبنانيين هو أيضاً مظهر مقلق من مظاهر العنصريّة.

ثمّة بالفعل مظاهر عنصريّة مؤسفة في المجتمع اللبنانيّ، وثمّة بالفعل حاجة لمعالجة هذه المظاهر، بل ثمّة أيضاً خواص لبنانيّة أكيدة للعنصريّة كما نعرفها في مجتمعنا، إلا أنّ ذلك شيء واتهام اللبنانيين بالعنصريّة عند كل منعطف، وخصوصاً عند إثارة موضوع "الحقوق المدنيّة" للاجئين الفلسطينيين، يوازي في المقلب الآخر، إنغماس البعض في العبارات "غير اللائقة" سياسيّاً والتي تلامس حدّ العنصريّة ضدّ اللاجئين الفلسطينيين. ينبغي الموازاة بين هذين الإنحرافين، بل أكثر: إنّ العنصريّة ضدّ اللبنانيين، وضدّ الفكرة اللبنانية، لها أن تدان، وأن تدان بشكل منهجي وجريء.

إنّ "الليبانوفوبيا" (رُهاب الهويّة اللبنانيّة أو العداء لها) و"المارونوفوبيا" (رُهاب الطائفة المارونيّة أو الحقد عليها) هي أشكال مقيتة من العنصريّة، وهذه عنصريّة موجّهة إمّا إلى بلد متوسّطي صغير مبني على التعدّد والإختلاط وتتعرّض لتعدّده وإختلاطه، وإمّا إلى أقليّات إثنيّة دينيّة لعبت دوراً محوريّاً في النهوض القوميّ للعرب في أواخر الحقبة العثمانية، ولم يتطوّع إلا مجموعة "مؤرّخين" مزعومين سخفاء لنفي هذا الدور، بأسانيد باطلة وحجج متهافتة من تلقائها.

ومن مظاهر العنصريّة ضدّ اللبنانيين (الليبانوفوبيا) تحقير رمز طبيعيّ وكتابيّ ووطنيّ في آن كالأرزة اللبنانية، أو حرمان اللبنانيين من أي علاقة "دراسيّة" أو "رمزيّة" مع تاريخ الحضارات التي قامت في الشرق، وبالأخص تلك التي قامت على أرضهم في التاريخ القديم. ففيما تزهو تونس بـ"البونيقيين" وحضارتهم، يُجبَر اللبنانيّون على التبرؤ من "فينيقيا" و"الفينيقيين" وإلا جرى إتهامهم بـ"العنصريّة"، بل وأطرف من ذلك، بـ"التطبيع الحضاري" مع العدوّ الصهيونيّ، لأنّه إن حضرت فينيقيا القديمة حضرت معها إسرائيل القديمة وهكذا دواليك!

ودائماً تنتظر هذه "الليبانوفوبيا" بعض الهذيان "غير اللائق أدبيّاً" أو "غير اللائق سياسيّاً" من المقلب الآخر لتثبت حجّيتها، ولتسقط في المقابل على شعوب أخرى صفات "تقديسيّة" أو "تأليهيّة" فوق الجغرافيا، وفوق التاريخ، أو لتحصر هذه الصفات بفئة من اللبنانيين بالضدّ من الفئات الأخرى.

لأجل ذلك، وكل مرة يتوجّب فيها شجب أي غمز عنصريّ من جانب أي لبنانيّ، ينبغي المبادرة في الوقت نفسه لرفض "الليبانوفوبيا" أو "العنصريّة ضدّ اللبنانيين" من حيث هي عنصريّة ضد السمات التعدّدية الحضاريّة في بلد عربيّ متوسّطي صغير، ومن حيث هي طائفيّة ضد إرث جماعات إثنيّة دينيّة تعرّضت للعسف وللاضطهاد لقرون عديدة، ولا تزال "الليبانوفوبيا" المعاصرة تشكّل تحريضاً عليها في الزمن الراهن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل