الحلول الدائمة، او الطويلة الأمد نسبياً، للمشكلات التي تضطرم بها المنطقة، ولبنان في وسطها، غير ناضجة بعد، وكذلك عوامل التفجير الكبير الذي من شأنه في حال حدوثه ان يحوّل المنطقة الى ساحة حرب كبيرة، لذلك فان الستاتيكو القائم، او حالة اللاحرب واللاسلم، هما ملوك اللعبة الجهنمية في الوقت الحاضر، والتجاذب القائم حالياً بين معسكر التهدئة وتقديم الحلول السلمية التفاوضية والمعسكر الذي تقرع فيه طبول الحرب والمواجهة، ما زال تحت السيطرة، دون ان يعني هذا، ان لا دور هناك عند الحاجة للنافخين في النار، كما ان هناك دوراً بالمقابل لعمل الاطفائيين في تبريد بؤر التوتر والرؤوس الحامية اذا كانت ساعة الصفر لم تدق بعد.
في خضم هذه الحالة الرمادية، يجد لبنان ذاته اسير القرارات الرمادية التي يجب عليه اتخاذها بحيث يرضى فريق في مرحلة، ويغضب آخر، والعكس بالعكس، الى ان تنجلي صورة بعض الملفات والقضايا الاساسية المحلية والاقليمية، مثل القرار الاتهامي في المحكمة الدولية من اجل لبنان، ومسار المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية وما سوف ينتج منها، وخريطة الطريق التي سوف ينتهجها الملف النووي الايراني، ومدى سخونة ملف الثروات النفطية، بحيث ان هذه الملفات والقضايا التي تختزن براكين من التوتر والتعقيدات، مع ملفات اخرى مهمة، ستكون عاملاً مساعداً على بقاء الحكومة الحالية، خوفاً من الدخول في المجهول عند حصول ازمة وزارية طويلة الأمد، او أن انفجار ملف او قضية، قد يكون سبباً لتفجير الحكومة والبلد على السواء، خصوصاً، ان حزب الله، كما يلاحظ، ينغمس أكثر فأكثر في الصراعات الداخلية الخلافية وهذا ظهر في إثارة الاتفاقات الأمنية مع قوى الأمن، وفي «المساعدات» الأميركية المالية التي أعلن السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان امام الكونغرس انها قدمت الى لبنانيين لتشويه سمعة الحزب، وهذا بالطبع مرفوض ومدان، مثله مثل اي «تقديمات» اخرى تأتي من دول خارجية الى لبنانيين، لتزيد من توسيع الهوّة بينهم، وحسناً يفعل الحزب، اذا كان يملك حقاً المعطيات الكاملة، باعلان الأسماء والجهات المستفيدة، بدلاً من التعميم واطلاق الاتهامات، كما ان الحزب في حالة «الستاتيكو» القائمة سينغمس اكثر في السجال الحاد حول سلاحه والاستراتيجية الدفاعية، واتهامه بتعطيل قيام الدولة، وسيذهب طوعاً أو مكرهاً الى سجالات ونزاعات عالية السقف واللهجة، مع قيادات سياسية وروحية، لا تتفق معه في الرؤية والموقف، سيزيدها سوءاً دخول حلفاء للحزب على خط السجالات هذه، كما حدث مؤخراً بلغة يمجّها الذوق وأدب المخاطبة.
××××××××××××××
وفي العودة الى موضوع حكومة الوحدة الوطنية، أو حكومة الائتلاف الوطني، كان لافتاً كلام الذراع الأيمن لرئيس المجلس النيابي، النائب علي حسن خليل، الذي وصف بـ «الخطيرة» تصريحات نواب في تيار «المستقبل» حول جدوى وجود حكومة الاتحاد الوطني بعد فشلها في مهامها التي وعدت بها المواطنين في بيانها الوزاري بسبب الاختلافات الداخلية العميقة بين الوزراء، في حين ان الأكثرية الساحقة من اعلاميي 8 آذار، وبعضهم مقرّب من دمشق، يحرصون في اداء شبه يومي على القول بأن الأمور أصبحت ناضجة لتغيير حكومي وشيك، وان دمشق ليست بعيدة عن هذا التوجّه، وان احداثاً أمنية مرتقبة، تشكّل حافزاً اساسياً لقيام حكومة جديدة تكون أقرب الى تكتل 8 آذار وسوريا وايران. والسؤال هو، أيّما اخطر على لبنان واستقراره هل هو ما يصرّح به نواب في المستقبل او في الموالاة، او ما يصدر عن اعلام 8 آذار، بما فيه اعلام حركة أمل؟
××××××××××××××
لو ان الجميع يتحلّى بحكمة الرئيس العماد ميشال سليمان واعتداله وسعة صدره، وقدرته على استشراف ما يمكن ان يسيء الى لبنان، لكان البلد بألف خير، فهذا الرجل الذي وضع لبنان من جديد على سكة الدول القابلة للحياة، بفعل اتصالاته وعلاقاته الطيبة مع معظم دول العالم، ومع المنظمات والمؤسسات الدولية ذات التأثير الكبير، انصرف منذ مدة الى الاهتمام اكثر بترتيب البيت الداخلي تنفيذاً لما أقسم وعاهد اللبنانيين عليه، وهو عندما يؤكد ان التعيينات الادارية هي الطريق الصحيح والأسلم والأسرع للاصلاح ووقف الفساد، يناشد ضمناً القيادات السياسية جميعها ان تضع خلافاتها ومصالحها الشخصية جانباً، والدخول في ورشة بناء الدولة وتحسين أوضاع المواطنين، والافادة الى اقصى الحدود من اجواء التهدئة القائمة لتنفيذ الاصلاحات وفي مقدمها التعيينات، اما الذين يتناولون رئيس البلاد بالقدح والذمّ، وليس بالنقد كما يشيعون – ويبدو ان هؤلاء قياساً على مقدمة اخبار تلفزيون O.T.V امس، هم من «التيار الوطني الحر» – فهم على ما يظهر يكملون مسيرة الهجوم والتهجّم على الرئيس سليمان، التي بدأت منذ اتفاق الدوحة، ولا يمارسون حقهم في النقد والمعارضة والاختلاف في الرأي التي حفظها لهم الدستور، كما يزعمون، لأنه اذا كان الأمر كذلك، فان الرئيس سليمان، وبالصفات التي عرف بها، هو الأحرص على هذه الحقوق، لأنه الوحيد الذي أقسم على حماية الدستور وتطبيقه تطبيقاً كاملاً.