كتب السفير نصير باز: في كل مناسبة تستدعي تذكر الحرب الاهلية التي عصفت بوطننا طيلة 15 عاما، يجمع اللبنانيون عفويا على ترداد عبارة "تذكر ولا تعاد" هذه العفوية مردّها الى حسرة الناس على ما نكبت البلاد به من بلاء يصعب نسيانه من قتل وهدم وتشريد وانقسام. فتذكر تلك الايام والتذكير بها هدفه حتما عدم العودة الى مثلها لتطوى هذه الصفحة الى الابد لينصرف اللبنانيون الى اعادة بناء ما تهدم، وقبل ذلك الى السعي المخلص للقضاء على الانقسام وبناء وحدة وطنية بنيّة حسنة بين كل فئات الشعب اللبناني من ادناه الى اقصاه.
ذاك هو شعور المواطن العادي الذي استلهمه المشترع بقناعة ساقته الى وضع "قانون العفو" عن كل الجرائم التي حصلت قبل تاريخ نفاذه اي بعد احلال السلام بموجب ميثاق الطائف. هذا الميثاق الذي ما كان لولا تفاهم الجهات الخارجية، ما يوضح بشكل صريح ان الحرب الاهلية لم تكن بارادة اللبنانيين او نتيجة لاختلافات في مواقفهم السياسية، بل بصراع الجهات الخارجية نفسها التي اختارت لبنان ساحة لتصفية حساباتها. هذه هي الجريمة الكبرى التي لا يجوز لنا ان ننساها، لان كل ما حدث من جرائم على الساحة اللبنانية من الطبيعي ان نتجاوزه باعتباره وليدا لها.
ضمانا للسلام والامن، وضع المشترع شرطاً على قانون العفو يقضي بالغائه عن كل جهة او شخص يقدم بعد نفاذ القانون على ارتكاب جريمة ما. كما ان الميثاق الجديد قضى بحل جميع الميليشيات.
فما الذي حصل بعد ذلك؟
يبدو ان السلطة اللبنانية ومن كان وراءها في ذلك الوقت استغلت الشرط المذكور في قانون العفو، فطبقته على واحد فقط من قيادات الميليشيات وهو الدكتور سمير جعجع رداً على رفضه الاشتراك في حكومة ما بعد الحرب، اذ رغم تأييده وموافقته على اتفاق الطائف، رأى ان يبعد نفسه عن تحمل المسؤولية في سياسة الحكومة المرتقبة، لانه، كما اعتقد، كان يشعر ان طرفا ما لم يكن بريئا في قراءته لاتفاق الطائف وسيسعى لاستغلاله لمصلحته.
موقف الدكتور جعجع لم يعجب صاحب السلطان، فحبك له مصيدة باتهامه بتفجير كنيسة سيدة النجاة هكذا ودون استناد الى اي دليل او مجرد شك. هنا بدأت محاكمة الدكتور جعجع لا على جريمة الكنيسة، بل على جرائم الصقت به خلال الحرب الاهلية وكأنه الوحيد الذي قاد ميليشيا مسلحة، اما سائر الميليشيات وقياداتها: الاشتراكية والشيوعية والقومية السورية وحركة "أمل" و"المرابطون" وغيرها فلا عودة اليها وعليهم.
من جريمة الكنيسة خرج الدكتور جعجع بريئا. ما يستوجب حكما سقوط المحاكمة عما قيل انه اقترفه في فترة الحرب. والغريب ان صاحب السلطان استمر في محاكمته عنها ليودعه في زنزانة منفردة لمدة 12 سنة.
ان سمير جعجع قبل السجن هو غيره بعد خروجه منه، فقد رأيت فيه رجلا متشبثا بلبنان، صادقا في شعوره الطيب مع العرب، صلبا في موقفه، جريئا في طرح افكاره، علميا في نقده لذاته، حكيما في تحليله السياسي، رزينا ومهذبا ومؤمنا خلوقا.
اما ما يحزّ في نفسي ونفس كل مراقب ان معارضيه لا يريدون ان يقرأوه على حقيقته مغتاظين من كلامه الجاذب، فيعودون الى وصفه بزعيم ميليشيا، ولا يتورعون عن اتهامه بالخيانة. وما يحيرني اكثر ان يقف رجل كبير كالرئيس عمر كرامي ينتهز كل مناسبة ليطلق حقده عليه، مذكرا بشقيقه الوطني اللبناني العربي المؤمن في تعامله مع الناس باستيعاب وتسامح، انه الشهيد الكبير الخالد اسمه رشيد كرامي.
كفاكم ايها المتجاهلون معنى العفو. افتحوا أعينكم للنور وقلوبكم للمحبة فستجدون سمير جعجع اخا لكم وحليفا. اما اذا اصررتم على نبش الماضي البغيض فليس لكم الا اللجوء الى المحكمة الدولية تطلبون منها ان تعود الى التحقيق في اغتيال الشهداء الكثر: كمال جنبلاط، ناظم القادري، بشير الجميل، رشيد كرامي، رنيه معوض، رياض طه، سليم اللوزي، المفتي حسن خالد وغيرهم، فضلا عن مصير امام لبنان الواحد الذي ما عرفناه الا داعية للسلام والوحدة الوطنية، السيد موسى الصدر. وفي حال تعذر شمل هؤلاء الشهداء بعمل المحكمة الدولية، فليقرر المجلس التشريعي فتح هذه الملفات لمحاكمة كل من كان وراء هذه الجرائم ولو تلا بعدها فعل الندامة.
لا تكفي هذه الحملات المغرضة التي تسمّم نفوس الناس الساعين الى خلاص لبنان للسلم، وللمحبة وللوحدة الوطنية الصافية من أجل مصلحته العليا وتوجيه شبابه في دروب الوطنية الحقة لخلق مجتمع متضامن بعيد عن التفرقة. مجتمع يبني وطناً يسوده السلام والامن والازدهار، فيكون مثالا وتحتذي به كل الدول في تعايش الاديان.