الثقة المتبادلة بين سوريا ولبنان تبني أفضل العلاقات

لأن تنفيذ الاتفاقات يبقى خاضعاً للأمزجة وللظروف ولإرادة الأقوى
الثقة المتبادلة بين سوريا ولبنان تبني أفضل العلاقات

السؤال الذي تختلف الاجابات عنه باختلاف الجهة هو: هل تسير العلاقات اللبنانية – السورية في الطريق الصحيح نحو تحسينها وجعلها ممتازة ومميزة، وماذا تحقق حتى الآن ترجمة لذلك؟

اصحاب خبرة واختبار في هذا الموضوع يقولون ان سوريا تعتمد في علاقاتها مع لبنان على العلاقة الشخصية والثقة المتبادلة بين الحاكمين في البلدين أكثر منها على توقيع اتفاقات يبقى بعضها دون تنفيذ كامل أو يصير تنفيذها جزئيا وانتقائياً بحسب المصلحة والظروف السياسية والامنية الملائمة او بارادة الاقوى. ففي العهود التي لم تكن فيها الثقة متبادلة أو كانت شبه مفقودة بين البلدين وتنتابها الشكوك، لم تنفع لا الاتفاقات الموقعة ولا الزيارات المتكررة والقمم المتعددة في تحسين العلاقات أو في ازالة التوترات عند حصولها، في حين أن هذه العلاقات كانت ممتازة ومميزة خلال العهود التي كانت فيها الثقة قوية ومتبادلة بين رجال الحكم في البلدين، ولم تكن في حاجة الى عقد لقاءات أو قمم لحل اشكالات تحصل أو ازالة سوء فهم او تفاهم، بل كانت الاتصالات الهاتفية كافية، وكانت احياناً شبه اسبوعية لتبادل الآراء حول مواضيع الساعة.

لذلك لا يرى اصحاب هذا الرأي اهمية في التوصل الى توقيع اتفاقات بين لبنان وسوريا في شتى المجالات اذا لم تكن الثقة متبادلة بين المسؤولين الكبار في الدولتين بحيث تجعل تنفيذ هذه الاتفاقات متيسرا وغير متعثر، أو كان التنفيذ سبباً لتوتر في العلاقات، إما لسوء الظن أو الشك والتشكيك في التصرفات والممارسة.

هذه الصورة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات اللبنانية – السورية بين اشخاص تبقى اكثر اهمية مما يكتب على ورق. وهنا يُطرح السؤال الاساسي: ما هي حقيقة العلاقات بين الرئيس بشار الاسد والرئيس ميشال سليمان وبين الرئيس الاسد والرئيس سعد الحريري؟ وهل التصريحات والاحاديث الودية المتبادلة تترجم فعلا حسن النيات وحقيقة صدقها وصدقيتها؟

لقد عبّر الرئيس الاسد في أحاديث له للرئيس سليمان عن دعم سوريا الكامل له رئيساً ولموقع الرئاسة اللبنانية ورفض تحميلها وحدها مسؤولية المفقودين اللبنانيين، موضحاً ان علاقة سوريا بأحزاب وقوى لبنانية لا تعني التدخل في شؤون لبنان الداخلية، وان ترسيم الحدود يتم بالتفاهم بين البلدين وليس تحت ضغط أي جهة خارجية، وان وضع مزارع شبعا يُحسم بعد انسحاب اسرائيل منها، وان سوريا لا تملك بالتالي الاوراق الثبوتية التي يطلبها لبنان لتأكيد ملكيته لها، وأكد أن أي جهة أو دولة في العالم تريد أن يكون لها دور في المنطقة يجب أن تمر عبر سوريا (…)، وعاد وأكد على اثر عقد القمة الثالثة مع الرئيس سليمان "ان سوريا تدعم موقع رئاسة الجمهورية في لبنان وترى فيه ضمانة للسلم الداخلي اللبناني". وقد أثار ذلك تساؤلات، فقال البعض: لماذا الدعم للرئاسة وليس للرئيس؟ وبعض آخر قال إن الرئيس الاسد أراد تكريس مرجعية بعبدا للتأكيد أن القرارات تصدر عنها وليس عن اي مرجع آخر. وثمة من فسّر ذلك بالقول ان الرئيس الاسد يريد أن يكون له في قصر بعبدا شريك وليس مجرد صديق، كما يريد الرئيس سليمان ان يكون… وكان الرئيس الاسد قد اعلن قبل انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية "ان لا علاقات لبنانية – سورية من دون علاقات لبنانية – لبنانية سليمة".

أما الرئيس سليمان، فله أحاديث كثيرة حول العلاقات مع سوريا قال فيها: "سأثبت للبنانيين والمشككين ان سوريا تعطي لبنان ما يريده وما يريحه وتستطيع بالمحبة والتعاون انجاز الكثير". وقال ايضا: "ان العلاقات اللبنانية – السورية تبدأ بالتواصل الايجابي وتعزيز أواصر التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، واننا نصبو الى ان يبادلنا السوريون بالمثل وان يتفهموا طبيعة المجتمع اللبناني ونظامه السياسي". وفي حديث الى "النهار" قال: "لبنان مقبل على التغيير في اتجاه الافضل، واننا لا نلبس قفازات مع سوريا ونتعامل معها محافظين على مصلحتنا".

وللرئيس الحريري أحاديث أيضاً تؤكد اهمية اقامة أفضل العلاقات مع سوريا والتطلع الى المستقبل وطيّ صفحة الماضي، وقد حرص على الرد على كلام منسوب الى الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة مايكل وليامس عن حصوله على تأكيدات سورية لتقدم متوقع على صعيد ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا ببيان صدر عن مكتبه الاعلامي جاء فيه: "ان مثل هذا الكلام من شأنه ان يولّد التباساً لدى الرأي العام اللبناني حول هذه المسألة، وانه يؤكد ان لبنان يتعامل مع هذه المسألة بصفتها مسألة بين جارين عربيين شقيقين، وان بحثها يجري بعيداً عن التصريحات الاعلامية وفي اطار المقاربة الايجابية المطلقة من الجانبين اللبناني والسوري للمساحة الواسعة من المصالح المشتركة التي تجمعهما".

هل هذه التصريحات والاحاديث الودية المتبادلة كافية لبناء الثقة بين رجال الحكم في البلدين بحيث انها اذا كانت صادقة تبقى أقوى من أي اتفاقات خطية؟

ثمة من يقول ان سوريا تحاول معرفة مدى ارتباط الحكم في لبنان بالنظام المصري ومعرفة حدود حياد الرئيس سليمان بين الافرقاء في لبنان من خلال سعيه الى ارضائهم جميعا، ولصفته التوافقية التي انتخب على أساسها، وعدم افصاحه حتى الآن عما يريد فعلاً من سوريا، خصوصاً بعد تسريبات أفادت انه يشكو من لقاءات يعقدها الرئيس الاسد مع قادة احزاب وشخصيات لبنانية قد تشكل إضعافاً للدولة اللبنانية وتحديداً لمرجعية الرئاسة الاولى وتتناقض بالتالي مع جعل العلاقات من دولة الى دولة بحيث تمر الاتصالات واللقاءات بها، ولئلا تظل سوريا تتهم بالتدخل في شؤون لبنان الداخلية خدمة لمصالح احزاب وقوى واطراف في لبنان، رغم قول الرئيس الاسد ان "العلاقة مع القوى اللبنانية لا تعني التدخل في شؤون لبنان، واننا نستقبل كل من يريد أن يأتي الى سوريا" (…) وهذا يعني ان العلاقة من دولة الى دولة يصعب اعتمادها عند وجود احزاب في دولة تابعة لدولة اخرى…

وثمة من يقول ان سوريا في حاجة الى الطمأنة بأن لبنان لن يكون في الخط السياسي المناوئ لخطها وتريد أن تسمع من الرئيس سليمان ما سمعه الرئيس عبد الناصر من الرئيس شهاب، كي تتأكد ان علاقتها بالرئيس سليمان تشكل نهاية لسياسة الخصومة او العداء لها في لبنان، من دون أن يتناقض ذلك مع المنحى الاستقلالي والسيادي الذي تعاظم شأنه بعد عام 2005، ولأن التفهم والتفاهم بين سوريا ولبنان وتحديداً بين رئيسي الدولتين يرسخان الثقة ويشكلان الضمان للاستقرار السياسي والامني والاقتصادي ويبدّدان الهواجس، وان هذا هو الاساس، اما الباقي فتفاصيل، ومن دون ذلك فان سوريا قد لا تدع لبنان يرتاح.

وثمة من يقول ان سوريا لا تثق بسياسة الرماديين، او مَن لا لون لهم، حتى وإنْ كانوا اصدقاء لها، عندما يمسكون العصا من الوسط، وهي حذرة من ان يكون الرئيس سليمان حيادياً أو مستقلا اكثر من اللزوم، خصوصا انها لا تحب الشراكة معها في لبنان، وانها تتجاوز السلطة الشرعية احياناً لتقيم علاقات جانبية مع افراد واحزاب وسياسيين لاستخدامهم ضد السلطة عند الضرورة، وتحاول تكوين ارادة لبنانية جامعة لتحقيق اهدافها في لبنان والمنطقة.

والسؤال لا يطرح فقط عن سير العلاقات اللبنانية – السورية، بل عن سيرها مع فرنسا واميركا والسعودية ومصر. وفي المعلومات ان الفجوة بين اميركا وسوريا لا تزال حول قضايا كثيرة منها ما يتصل بعلاقة سوريا بايران، وان فرنسا تتجاوب مع سوريا بقدر تجاوبها معها ومع مطالب لبنان، وهي الآن تحت التجربة والمراقبة مع السعودية والحذر مع مصر، ولا شيء يغير ما في سوريا الا المعادلة الاقليمية والتحولات الدولية، ولا شيء ايضا يعطي صورة واضحة للعلاقات السورية – اللبنانية الا عند صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وردود الفعل عليه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل