أزمة إملاء الشواغر في الإدارات والمؤسسات الرسمية تهزّ حكومة الوفاق
هل تكتفي الحكومة بالموازنة الإنجاز الوحيد لها بانتظار التحوّلات الإقليمية؟
<الفرصة ما تزال مُتاحة أمام المسؤولين لتجاوز حال الإنقسام ومعالجة الملفات السياسية والإجتماعية والإدارية>
تنفّس المسؤولون الصعداء عندما أنجز مجلس الوزراء بعد جلسات مكوكية استغرقت قرابة النصف سنة من عمر الحكومة مشروع قانون الموازنة العامة، وأخذ طريقه الطويل الى الهيئة التشريعية، ونقل وزراء شاركوا في <جلسة الإقرار> عن رئيس الجمهورية ارتياحه لهذا الإنجاز والذي عبّر عنه بأن المهمة أو الخطوة الثانية هي فتح ورشة التعيينات وإملاء المراكز الشاغرة في الإدارات والمؤسسات الرسمية والتي تضاعفت منذ قيام حكومة الوفاق الوطني، ووصلت الى حدود غير مقبولة في أي دولة من العالم الثالث.
وما أن وصلت أنباء ما صرّح به رئيس الجمهورية حول ورشة التعيينات وإملاء الشواغر حتى أخذت ردود الفعل السلبية من مختلف الاتجاهات تتوالى، لتؤكد على عمق الخلاف داخل الحكومة وخارجها حول الحصص وتوزيعها على الطوائف وطبقاً للمحسوبيات ومراكز القوى، وترافقت هذه الر دود مع فتح ملفات يصعب إغلاقها، كملف الحقوق الاجتماعية والانسانية للفلسطينيين اللاجئين في لبنان منذ نكبة 1948 وملف قانون التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية، وبدأ السجال الذي انفتح وكأن البلاد منقسمة على ذاتها بشكل عامودي ومُقبلة على أزمة عميقة قد لا تسلم حكومة الوفاق الوطني من شظاياها وخصوصاً مع تسريب معلومات منسوبة الى المعارضة في معظم الأحيان عن احتمال حصول تعديل وزاري وربما احتمال تغيير حكومي، بعدما أظهرت حكومة الوفاق الوطني عن فشلها ليس في لمّ الشمل بل في تحقيق أي إنجاز لا على المستوى الإداري، ولا على أي مستوى آخر بما في ذلك إملاء الشواغر في الإدارات الرسمية وحتى حل مشكلة السير التي اعترف وزير الداخلية بأنها مشكلة المشاكل التي يصعب إيجاد حل لها.
وكاد السجال الذي نشب حول قانون التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية أن يعطّل الحكومة ويعطّل معها مجلس النواب لو لم يتدخل رئيس الجمهورية مع الأطراف المعنية ويتوصل الى <تخريج> على قاعدة حفظ ماء وجه كل الأطراف، على ما اتفق على تسميته بالتكامل بين السلطتين الاجرائية والتشريعية وليس وفق القاعدة الدستورية التي تقول بفصل السلطات.
وبموجب هذا الاتفاق غير الثابت هو أن الضجة انحسرت حتى موعد آخر لتستمر الضجة والسجال حول الحقوق الاجتماعية والانسانية للاجئين الفلسطينيين لتبرز حال انقسام عامودي بين المسلمين والمسيحيين ولتضع البلاد على شفير هاوية هذا الانقسام، ولم تخفف تصريحات رئيس الحكومة سعد الحريري التي حمّلت المجتمع الدولي مسؤولية ما آل إليه وضع اللاجئين مع وعد بإعطائهم حقوقهم الاجتماعية والانسانية في مقابل نزع السلاح الفلسطيني خارج وداخل المخيمات، وبالتالي إنهاء البؤر الأمنية وامتلاك الدولة زمام مبادرة الحفاظ على الأمن وعلى البشر داخل المخيمات وخارجها من حدة السجال الذي جمع في صف واحد المتخاصمين داخل الصف المسيحي لمواجهة أي خطوة تقدم عليها الحكومة أو مجلس النواب في اتجاه منح اللاجئين حقوقهم الاجتماعية والمدنية.
وهكذا تنتقل حكومة الوفاق الوطني التي فرضتها أحداث السابع من أيار من أزمة الى أزمة أكبر لتستمر في المراوحة التي هي أسوأ من عملية التعطيل التي مرت بها حكومتا الرئيس فؤاد السنيورة السابقتين لتشكيل حكومة الوفاق الوطني ويظهر لبنان أكثر فأكثر من أنه عاجز عن أن يحكم نفسه بنفسه وأنه ما زال بحاجة الى وصاية خارجية لتلك الوصاية السورية كي ينتظم الحكم ويستقيم وتصبح الحكومة قادرة على الإنتاج.
ويترافق كل ذلك مع توتر أمني وكشف مزيد من شبكات العملاء، لتظهر كم أن هذا البلد مكشوف وكم أن الحكم فيه عاجز عن الإدارة وعن ضبط الأمور بما في ذلك الوضع الأمني المتردي.
المصادر الدبلوماسية المواكبة لحركة التقلبات والأوضاع الداخلية وملفاتها المتعددة والمتعثرة تحمّل الإدارة السياسية مسؤولية التعثّر في عدم القدرة على معالجة الملفات العالقة في أدراج مجلس الوزراء وأدراج مجلس النواب، وترى أن هذا التعثّر كان متوقعاً نتيجة تركيبة الحكومة التوافقية المعطوفة على تضارب المصالح والحسابات الضيّقة والشخصية للأفرقاء السياسيين من جهة أخرى، ونتيجة تداخل الوضع اللبناني بالخارج من جهة ثالثة.
وتعتقد المصادر أن تشابك المصالح الداخلية مع السياسات الإقليمية المتعثّرة بدورها والمتداخلة في ما بينها يوحي وكأنه معالجة أي ملف من الملفات المزمنة مرتبط بالحسابات الخارجية، وهذا ما يصاعد من لهجة الخطاب السياسي في الداخل وتمسك بعض القوى بمواقفها السابقة والإصرار على إثارتها بشكل متواصل خدمة لحسابات داخلية ضيقة لا يخدم لا الاستقرار الداخلي ولا يحرك عجلة الحكومة.
لكن المصادر نفسها ما زالت ترى أن الفرصة أمام المسؤولين لا تزال متاحة لتجاوز حال الانقسام من جهة ومعالجة الملفات السياسية والاجتماعية والإدارية بما فيها المزمنة والمعلّقة من جهة أخرى، غير أن هذه الفرصة المتاحة ليست مفتوحة الى مدى زمني غير محدود لأنها مرتبطة بأجندة المنطقة التي تتحضّر على ما يبدو لمواجهة جديدة بين الغرب وإيران على خلفية الملف النووي الذي دخل الحديث عنه بعد فرض السلة الرابعة من العقوبات الدولية وفق القرار 1929 وما تلاه من عقوبات إضافية أقرّتها مجموعة الدول الأوروبية والكونغرس الأميركي دخل مرحلة جديدة ودقيقة في آن، والتي بدأت مساحات المناورة حيالها تضيق بشكل كبير، إضافة الى التهديدات الاسرائيلية الجديدة للبنان التي تجمع المصادر على أنها جدية وإن اتخذت من سفينة المساعدات الغذائية <مريم> عنواناً عريقاً لها، والتي تتزامن مع اللهجة الجديدة التي بدأ الغرب يعتمدها مع إيران ولا سيما ما كشفه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ليون بانيت في مقابلة مع شبكة إي بي سي الأميركية من أن إيران تملك كمية من اليورانيوم تكفي لصنع قنبلتين ذريتين، مضيفاً أن في وسع هذا البلد حيازة سلاح ذري في خلال سنتين إذا اتخذ القرار بذلك.
هذه السياسة الجديدة للمجتمع الدولي تجاه إيران معطوف عليها تصاعد اللهجة الاسرائيلية ضد لبنان، تعيد الى الواجهة لغة الحرب في المنطقة.