
تحت عنوان "بيروت الرسالة… بين الماضي وتحديات الغد" نظمت "القوات اللبنانية" في دائرة بيروت الثانية لقاء حوارياً برعاية رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" في اوتيل البريستول، وذلك بإرادة من المنظمين في ان يكون التلاقي في رأس بيروت، اي في المنطقة التي كانت تسمى "الغربية"، فطغى على النقاش طابع اسلامي – مسيحي محوره مدينة بيروت وما تمثله هذه المدينة في وجدان هذا الوطن. حضر اللقاء نواب بيروت: الدكتور عمار حوري، عاطف مجدلاني، نديم الجميل، سيرج طورسركسيان، منسق الاعلام في تيار المستقبل الاستاذ راشد الفايد، نائب رئيس واعضاء مجلس بلدية بيروت وعدد من مخاتير وفاعليات المدينة.
عماد واكيم
اللقاء الذي أدارته الآنسة لوريس روفايل استهل بكلمة منسق بيروت في "القوات" المهندس عماد واكيم الذي اعلن ان المقصود من هذا الحوار هو "للتأكيد ان التحالف بين المسلمين والمسيحيين هو الذي انتج ثورة الأرز و"14 آذار"، وهو حلف باق ومستمر لانه بدونه لا يمكن قيام دولة ديمقراطية عصرية عادلة سيدة حرة ومستقلة".
ورأى واكيم "ان تحالف "14 آذار" هو في صميم صميمه تحالف وطني مسيحي – اسلامي وهذا هو بيت القصيد بالنسبة لمن يريد فرط هذا العقد"، معتبرا ان "جميع المحطات التاريخية اللبنانية شاهدة على انه عندما يكون التضامن قائم بين المسلمين والمسيحيين يحقق اللبنانيون المعجزات واسطع برهان على ذلك قيام ثورة الأرز بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري التي كانت اهم نتائجها انسحاب الجيش السوري من لبنان."
وتمنى واكيم اخيراً "ان تنضم الى حركة "14 آذار" المذاهب اللبنانية كافة لتشترك جميعها في بناء الوطن والدولة التي نحلم بها، لان اسباب كثيرة تدفعنا للبقاء يداً واحدة اهمها الابقاء على "لبنان أولاً".
ميشال مرهج
ثم ألقى منسق منطقة بيروت الثانية المحامي ميشال مرهج كلمة "القوات"، عرض فيها للتجارب التي مرت بها بيروت، معتبراُ ان المخاض الذي سارت به مدينة بيروت يختصر المسار الذي سار به الوطن ككل، واكد "انه بعد العام 2005 بات التلاقي هو القاعدة والفراق هو الشواذ"، وواعداًً بالعمل المستمر يداً بيد لتثبيت هذه القاعدة والتشبث اكثر فاكثر بمبادىء "14 آذار" التي اثبتت بيروت انها رافعتها الى الوطن في كافة الاستحقاقات…"
ايلي فواز
وقدم المحلل السياسي ايلي فواز قراءة عن تاريخ بيروت السياسي والثقافي، فاعتبر ان بيروت كانت شاهداً على المساجلات والمواجهات القائمة في المنطقة بين مفاهيم وافكار عدة، عازيا الاسباب الى "تركيبة بيروت التعددية ومساحة الحرية التي استقطبت الافكار والعقائد الممنوعة من التداول في بلدان الجوار."
وتناول فواز في معرض حديثه عن بيروت احداث ثلاث شهدتها المدينة اثّرت ولا تزال على مصير هذا الوطن، المسألة الأولى تتعلق بالهوية، "اذ شكلت بيروت مسرحاً لهذا النقاش الذي لم يفض الى نتيجة تعتمد على هوية جامعة بل نتج عن ذلك الميثاق الوطني القائم على فكرة "لا الغرب ولا الشرق" رفعها اللبنانيون الى مصاف عقيدة دولة جعلت "قوة لبنان بضعف تركيبته"… الامر الذي اعدم كل محاولات تصويب النقاش لمعالجة التردي الحاصل في الداخل ان على مستوى الحريات العامة وحقوق الانسان والمواطنية او على مستوى اساليب الحكم الديمقراطية."
وتابع فواز:"أما المسألة الثانية فتدور حول المأساة الفلسطينية التي كان لها التأثير البالغ على الداخل اللبناني… الامر الذي افضى الى حرب اهلية… أما المسألة الثالثة هي التعايش بين مفهومين متناقضين هما بيروت "الريفييرا" الساحرة او بيروت سويسرا الشرق مقابل بيروت "البانكر" او بيروت العسكرية المقاومة."
واخيراً تطرق فواز الى مستقبل بيروت معتبراً ان امامنا ثلاث احتمالات "واحد قد يفضي الى حرب اهلية، اذا ما تغلب منطق الممانعة والمقاومة على منطق دولة الطائف… اما الاحتمال الثاني فهو في بقاء التعايش قائماً بين المنطقين من دون مصالحة… ويبقى البلد على حافة الانفجار كما هو حاصل اليوم، والاحتمال الثالث هو تقريب الوجهتين تحضيراً لاعادة انتاج ميثاق وطني جديد يقوم مجدداً على التعادل السلبي بين الافرقاء على اساس "لا ريفييرا ولا "البانكر" ولكنه قطعاً لا ينتج وطناً".
محمد سلام
بدوره ألقى المحلل السياسي محمد سلام كلمة وجدانية ذات ابعاد سياسية اختصرت التكوين الاجتماعي والثقافي لبيروت، اضافة الى المراحل التاريخية التي عاشتها المدينة.
انطلق سلام في حديثه عن طفولته كي يلقي الضوء على نظرية "الأنا الجماعية" والتي تتكون من "الأنا البيروتية" في بعدها الثقافي المتعدد والأنا اللبنانية "التي تتراكم تلقائيا منذ 14 شباط العام 2005، أي منذ لحظة انفجار الصحوة على وقع الإنفجار الذي اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري"، داعياً الى "توحيد بيروت، وكل لبنان عبر تزخيم تراكم الأنا الجماعية للأمة التي ولدت من رحم حفرة السان جورج التي أرادوها نهاية، فكانت لنا ولادة متجددة".
وقال سلام: "بيروت في الوجدان، في وجداني التراكمي منذ أبصرت الدنيا في الشهر الأول من العام 1950، أكبر من مدينة، أوسع من وطن وأرحب من أمّة، بيروت، ولا أغالي، بالنسبة لي ليست ست الدنيا، بالإذن من الشاعر الكبير نزار قباني. ببساطة، بيروت… هي الدنيا، كل الدنيا، كل الحضارات، كل الثقافات، كل الأديان، كل الأحزاب، كل العقائد، كل الفنون… بل كل الدنيا".
وتابع سلام:"لم أر بيروت يوما مساحة عقارية وحدودا بلدية. لم أر بيروت يوما سجل نفوس، لم أر بيروت يوما… إلا كل الدنيا، حتى حل ذلك اليوم الأسود في السابع من أيار العام 2008، فظهّر جوره حدودا لمدينتي، وخطت الدماء البريئة التي أسالها سجلات لنفوس أهلها، فتحولت كل الدنيا، في نظري، إلى مدينة لأهلها، وفقط لأهلها، ولمن أحبها وأحب أهلها."
وبعد ان سرد سلام لمحطات و احداث عايشها خلال طفولته في بيروت طبعت فيه واثرت في تكوين شخصه، قال: "ليس القصد أن أسرد أمامكم سيرة طفولتي، وليس القصد أن أنسج كلاما وجدانيا في مدينة أحببتها. القصد، من السرد، هو محاولة لإظهار التكوّن التراكمي للأنا الجماعية، التي أفاخر بأنها الأنا البيروتية، وإلى حد ما الأنا اللبنانية التي تتراكم تلقائيا منذ 14 شباط العام 2005، أي منذ لحظة انفجار الصحوة على وقع الإنفجار الذي اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
واعتبر سلام ان "العبرة هنا هي أن هذه الأنا الجمعية-التعددية، وفي سياق تراكمها، تجاوزت جذور خلاف تاريخي-عرقي مزعوم، لتتوحد في إناء الانتماء، الذي هو بيروت الدنيا … كل ذلك يتم والأنا الجماعية، أو الجمعية، أو التعددية تتكون في ذاتي لتشكل أنا واحدة هي أنا، المكون من كل تلك الأنوات التي ذكرتها".
وفي سياق انتقاده لسياسات وممارسات الآخرين، خصوصاً في بيروت، رأى سلام ان "من هاجم مدينتنا، وتراثنا، وبيوتنا، ونساءنا، وأولادنا، وأملاكنا في 7 أيار المشؤوم… كان، على الأرجح، قنبلة عنقودية كألآلاف التي ألقتها إسرائيل في حقول الجنوب وبلداته، هذه القنابل العنقودية، التي ما زالت منتشرة في بيروت، قتلت دواليها، فلم تعد تنتج عناقيد ولا تزهر ورودا. واضاف: "بيروت الدنيا جفت أرضها، يبست دواليها، ولم تعد تنتج سوى "عناقيد غضب" ولن تستعيد بيروت دورها، ورسالتها إلا إذا عادت إليها عناقيد القرى الحقيقية التي أكلها الجراد المسلح، كل الجراد المسلح".
وختم سلام بالقول: "… تكتسب هذه المناسبة أهميتها الخاصة في التمهيد لاستعادة الرسالة والدور، ما يوجب علينا التوجه بالشكر والامتنان للقوات اللبنانية، ومن يسعى مثلها، لتوحيد بيروت، وكل لبنان عبر تزخيم تراكم الأنا الجماعية للأمة التي ولدت من رحم حفرة السان جورج. أرادوها نهاية، فكانت لنا ولادة متجددة".
عمار حوري
وكانت في المناسبة مداخلة لعضو كتلة لبنان اولاً النائب عمار حوري شكر فيها خصوم الأمس وحلفاء اليوم اي "القوات الللبنانية"، واعتبر ان في 14 آذار 2005 تم عقد مصالحة بين نهائية لبنان ككيان وبين عروبته، بعد ان كان جزء كبير من اللبنانيين لم يكن يرى في لبنان كيان نهائي وجزء آخر لم يكن ربما يؤمن بعروبة لبنان الا ان 14 آذار حسمت هذه المسألة."
وشدد حوري على "نهائية لبنان ككيان بما نفهمه نحن في "14 آذار" وعلى عروبة لبنان بمنظورنا نحن كلبنانيين عرب، اي بمعنى لبنان المتعدد والمتنوع والمتنور وغير المقفل على افكار عقيمة وعلى شمولية نظام."
وأكد ان "تحديات الغد هي في الحفاظ على الرسالة اي الحفاط على صيغة لبنان ومن خلاله بيروت طبعاً"، مضيفاً: "ان التحدي الكبير يكمن في اننا نحن، في لبنان وفي بيروت، نمثل منارة هذه الرسالة، وربما الوحيدة في هذا الشرق ومن مسؤلياتنا جميعاً، مسلمين ومسيحيين، من خلال كل انتماءاتنا السياسية، ان نحافظ على هذه المنارة".
وأعلن حوري "انه حتى اذا وصلنا يوماً ما الى الغاء الطائفية السياسية تبقى مسؤوليتنا جميعاً ان نحافظ على العيش المشترك وعلى المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لانه قدرنا ان نكون معاً وان نحمل رسالة التنوع والتعددية، وتحدي الغد نختصره نحن في "14 آذار"، وهو تحدي العبور الى الدولة الذي سينتصر حتماً".
وختم حوري: "ان لبنان لن يكون الا متنوعاً، متعدداً، عربياً، وكياناً نهائيا لكل ابنائه ولن يستطيع احد فرض ارادته عليه".
عاطف مجدلاني
كذلك كانت مداخلة للنائب عاطف مجدلاني الذي كرر الشكر لـ"القوات اللبنانية" ورئيس الهيئة التنفيذية لتنظيمهم هذا اللقاء، معرباً عن تأثره الشديد بكل ما قيل خلاله عن بيروت العاصمة.
واعلن مجدلاني "ان بيروت رمز ورسالة، و روح وروحية، بيروت ماضي حاضر ومستقبل، اختصرت واحتضنت كل آلام اللبنانيين وآمالهم، و كل انتكاساتهم وانتصارتهم، لأن بيروت هي قلب لبنان، والقلب يحمل كل شيء. وتابع: "تفتخر بيروت انها احتضنت شهداء الاستقلال الاول واحتضنت شهداء الاستقلال الثاني وعلى رأسهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أحب بيروت الى حد التضحية بأغلى ما لديه اي بحياته، وهو من نزع عن العاصمة غبار الحرب و أعادها لؤلؤة الشرق، وبيروت كانت وفية له وللبنان فحملت مشعل مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في السيادة والحرية والاستقلال والديمقراطية، اذ سبقت بيروت وشعبها من "14 آذار" الاحزاب والمسؤولين الى مسيرة الحرية ومن ثم نحن تبعناها".
واكد مجدلاني "أننا نحن سنبقى اوفياء لمسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وثورة الارز وشعب "14 آذار"، موجهاً تحية الى "الرئيس سعد الحريري المستمر في هذه المسيرة من موقعه ومسؤولياته وظروفه وبطريقته وباسلوبه"، وقال: "لكن تاكدوا ان الهدف لا احد يحيد عنه ولم يحد احد عنه، وهو تثبيت الديمقراطية والابقاء على لبنان منارة الحريات والحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله".
وختم مجدلاني قائلاً: "نحن اليوم نعيش ظروف صعبة، وبين ايدينا امانة "القلب"، اي بيروت، واذا اضعناها مات الوطن. من هنا مسؤوليتنا الحفاظ على القلب كي نحافظ على الوطن، وسنبقى سوياً كي يبقى الوطن".
