هل حسمت القمة الأميركية – السعودية عملية السلام في المنطقة؟
عودة الى المبادرة العربية او إلى تقرير بايكر – هاميلتون
تعتقد مصادر ديبلوماسية ان القمة الاميركية – السعودية قد تكون خرجت بنتائج حاسمة في ما يتعلق بالوضع في منطقة الشرق الاوسط بعدما بات واضحا ان ليس سوى تحقيق السلام ما يضمن الامن والاستقرار الثابتين فيها، ويجعل الدول في المنطقة تعيش داخل حدود آمنة، وأنه من دون تحقيق هذا السلام فان المنطقة ستظل تعيش في حالة قلاقل واضطرابات وأحداث عنف واغتيالات تهدد مصير الانظمة المعتدلة فيها.
وفي المعلومات ان اسرائيل اذا لم توافق على الدخول في مفاوضات على أساس مبادرة السلام العربية التي صدرت عن قمة بيروت عام 2002، وهي المبادرة التي قال عنها العاهل السعودي انها لن تبقى مطروحة على الطاولة الى الابد، فان اسرائيل ستواجه أحد أمرين: إما قرارات حازمة وحاسمة تتخذها القمة العربية المقبلة المتوقع عقدها في تشرين الاول، ولن تتكرر فيها البيانات الانشائية لأن الشعوب العربية لم تعد تتقبل ولا تتحمل مثل هذه البيانات بينما اسرائيل تمضي في تهويد القدس وفي بناء المستوطنات، وأن القمة الاميركية السعودية انعقدت استباقا لقرارات القمة العربية المقبلة التي قد لا تكون عادية اذا لم تتحقق قبل انعقادها لاتخاذ هذه القرارات خطوات عملية في اتجاه السلام الضامن وحده الأمن والاستقرار في المنطقة ليس لمصلحة دول المنطقة فحسب، بل لمصلحة دول الغرب ايضا وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية وحماية لمصالحها الحيوية التي تتعرض للخطر اذا ظلت اسرائيل متعنتة في مواقفها وترفض السلام الشامل والعادل.
واللافت أن رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات حذر في حديث الى "النهار" الاسرائيليين من أنهم "سيتصببون عرقا" اذا أخفق حل الدولتين بحلول نهاية السنة الجارية، موضحا أن السلطة الفلسطينية سيكون "لا لزوم لها" اذا لم تستطع بناء الدولة الفلسطينية. وكشف عريقات ان السلطة الفلسطينية ستلجأ الى مجلس الامن في ايلول المقبل لاستصدار قرار يعترف بالدولة الفلسطينية على حدود 4 حزيران 1967، متوقعا ان تبدأ دول أوروبية الشهر المقبل الاعتراف بهذه الحدود، وأن المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل يعمل حاليا على موضوعي الامن والحدود.
وتعلق المصادر الديبلوماسية أهمية على نتائج القمة الاميركية – السعودية بعدما شدد الرئيس أوباما على الدفع في اتجاه السلام بطريقة مهمة وقوية، وأهمية قيام وطن للفلسطينيين الى جانب دولة اسرائيل، ومعاودة مفاوضات المسارين السوري واللبناني. وعندما يتحقق السلام الشامل والعادل في المنطقة فان الاوضاع في العراق وفي افغانستان وباكستان وايران واليمن تصبح قابلة للمعالجة وتتكاتف الجهود لمكافحة الارهاب.
وكان الجنرال ديفيد بترايوس الذي عين قائدا للعمليات العسكرية في افغانستان قد أعلن ان تحقيق السلام هو الذي يحمي المصالح الاميركية في المنطقة والجنود الاميركيين، خصوصا بعدما أصبحت تتعارض والمصالح الاسرائيلية. كما أن مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان قد دعا من جهته الى ضرورة التحرك بسرعة في عملية السلام للانتزاع من ايران احدى أوراقها "المخربة" في المنطقة، وأكد ان التزام واشنطن أمن شركائها الاقليميين غير قابل للتفاوض.
ومن جهة أخرى، فان الحديث يعود حول امكان عقد مؤتمر دولي للسلام مطلع سنة 2011 وان روسيا تجري اتصالات لهذه الغاية، وأن تقرير بايكر – هاميلتون كان قد حض على تسوية للصراع العربي – الاسرائيلي من طريق مفاوضات مباشرة على كل الجبهات، وحذر من فوضى وكارثة انسانية في العراق وهو ما حصل. ولفت الى "أن الولايات المتحدة الاميركية لن تتمكن من تحقيق أهدافها في الشرق الاوسط، إلا اذا تعاملت مباشرة مع النزاع العربي – الاسرائيلي لتحقيق سلام شامل" والتزام الرئيس بوش في حزيران 2002 حل الدولتين لاسرائيل وفلسطين (الرئيس أوباما اكد الالتزام نفسه)، وهذا يتطلب "إجراء محادثات مباشرة بين اسرائيل وسوريا ولبنان والفلسطينيين كونهم يقبلون بحق اسرائيل في الوجود، وخصوصا سوريا التي هي نقطة العبور الاساسية للاسلحة التي تشحن الى "حزب الله" والتي تدعم المجموعات الفلسطينية الراديكالية". والمقاربة التي أشار اليها التقرير هي أن "ليس هناك حل عسكري للنزاع العربي – الاسرائيلي، وأن الغالبية الكبرى من الشعب الاسرائيلي سئمت خوض حروب مستمرة، وأن أي ادارة أميركية سواء أكانت ديموقراطية أم جمهورية، لن تتخلى عن اسرائيل، لذلك فان المشاركة السياسية والحوار هما أساسيان في النزاع العربي – الاسرائيلي، وعندما تتعطل العملية السياسية يندلع العنف، وأن الاساس الوحيد الذي يمكن بناء السلام عليه هو المنصوص عليه في قراري مجلس الامن 242 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام، أي السلام الدائم الذي توصلت اليه اسرائيل مع مصر والاردن، وهو سلام من شأنه ان يدعم بقوة الحكومات العربية المعتدلة في المنطقة. وأوصى التقرير بتنظيم اجتماعات برعاية الامم المتحدة أو اللجنة الرباعية بين اسرائيل ولبنان وسوريا من جهة واسرائيل والفلسطينيين من جهة أخرى للتفاوض على السلام كما حصل في مؤتمر مدريد عام 1991 وفي مسارين منفصلين أحدهما سوري – لبناني والآخر فلسطيني على أن تلتزم سوريا قرار مجلس الأمن الصادر في آب 2006 والذي يؤمن الاطار الضروري ليستعيد لبنان سيادته على أراضيه، ووقف استخدام الاراضي السورية لعبور الاسلحة والمساعدات الايرانية للحزب توصلا الى حل المشكلة الاسرائيلية مع "حزب الله" وأن تستخدم سوريا نفوذها لدى "حماس" للمساعدة في حملها على الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود، وبذل جهود أكبر لضبط حدودها مع العراق.
وأوصى التقرير ايضا بأن تعيد اسرائيل مرتفعات الجولان مع منح اسرائيل ضمانة أمنية اميركية يمكن ان تشمل قوات دولية على الحدود بما في ذلك جنود أميركيون اذا طلب الطرفان ذلك، ويجب ان تتضمن عناصر السلام لحل القضية الفلسطينية الالتزام بقراري مجلس الامن 242 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام، وهي الأسس الوحيدة لتحقيق السلام. وهذا يشكل دعما قويا للرئيس الفلسطيني محمود عباس وللسلطة الفلسطينية ويضع حدا للأعمال الحربية ويرسخ وقف اطلاق النار الذي جرى التوصل اليه بين الفلسطينيين والاسرائيليين في تشرين الثاني الثاني 2006، ودعم تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وان تجرى مفاوضات مستدامة تقود الى تسوية سلمية نهائية تنسجم مع الخطوط العريضة لحل الدولتين وتعالج الملفات الاساسية للوضع النهائي أي الحدود والمستوطنات والقدس وحق العودة وانهاء النزاع.
ويذكر ان أرييل شارون كان قد توصل الى نقاط تفاهم مع الادارة الاميركية تضمنت: ألا يتم بناء مستوطنات جديدة ولا مصادرة أراض جديدة من أجل بناء المستوطنات وأن تتم أعمال انشاء في المستوطنات داخل حدود البناء الحالية، وأن لا تقدم حوافز اقتصادية تشجع على التوسع في بناء المستوطنات، وأن يتم تفكيك مواقع غير مصرح بها وبنيت بعد آذار عام 2001، وهي التزامات لم تف بها اسرائيل.
يقول الدكتور زبغنيو بريجنسكي مستشار الامن القومي زمن الرئيس كارتر في مقال له: "ان ما يزيد الامور سوءا هو اتساع التطرف في صفوف الفلسطينيين، كما ان السياسات الاسرائيلية تتوغل أكثر فأكثر في طريق التعنت والتطرف، ويحاول نتنياهو دفع الولايات المتحدة الى الحرب مع ايران، وقوله ان على الفلسطينيين ان يطوروا أنفسهم اقتصاديا قبل البحث الجدي في السلام معهم (…) أي ترك الامور على ما هي على رغم ان مخاطر اطالة الطريق المسدود قد سممت امكان حل الدولتين، وأن استمرار اللامبالاة الاميركية من شأنه ان يلحق الضرر بالمصالح القومية الاميركية ويظهر عدم مبالاة تجاه معاناة الفلسطينيين ويهدد في النهاية بقاء اسرائيل".
ويختم بالقول: "قد يكون الوقت تأخر على قيام أميركا بدور قيادي جريء، لكنه ربما لم يتأخر كثيرا".