إقتراح باسيل بإنشاء الصندوق السيادي محاولة لبث الخلافات بين الرئاسات
يتعارض مع النصوص الدستورية ويتجاوز صلاحيات مجلس الوزراء
<الصندوق السيادي يعني حتماً سحب الثقة من الحكومة والتشكيك بقدرتها الإئتمانية في المحافظة على الأموال العامة>
لا شك أن الاقتراح <البدعة> الذي طرحه وزير الطاقة جبران باسيل لإنشاء <صندوق سيادي لعائدات النفط> برئاسة رئيس الجمهورية، سيأخذ حيّزاً واسعاً من النقاش السياسي والسجال الدستوري والإعلامي، ويكون موضع أخذٍ وردّ ويطرح جملة تساؤلات واستفسارات عن المغزى من طرحه في هذا الظرف بالذات، بعد الرفض الجامع الذي لاقاه في اللجنة الوزارية المكلّفة وضع مشروع قانون التنقيب عن النفط، كونه يتعارض كلياً مع النصوص الدستورية التي تحدّد مهمات رئيس الجمهوية وصلاحياته ويتجاوز صلاحيات مجلس الوزراء الدستورية ويصدّع ثقة الأطراف السياسيين بعضهم ببعض داخل حكومة الوحدة الوطنية التي تجمعهم·
فإنشاء مثل هذا الصندوق كما هو مطروح، يتطلّب إجراء تعديلات في نصوص الدستور اللبناني، تتيح لرئيس الجمهورية تولي مثل هذه المهمات التي لا يلحظها الدستور الحالي· ولذلك لا بد من توفير الأجواء المؤاتية بتوافق جميع الأطراف السياسيين لطرح أي تعديل دستوري، لأن مثل هذه الخطوة إذا طُرحت من جانب واحد، ستكون عديمة الجدوى ولن تؤدي الى تحقيق التعديلات المطلوبة، بل ستُدخل البلاد في سجالات سياسية وارتجاجات لا طائل منها·
وفي الوقت الحاضر، لا تبدو الأجواء السياسية مؤاتية لطرح أي تعديل دستوري، مهما كان محدوداً أو بسيطاً، لأن هناك في المقابل أطرافاً سياسية تلحّ على وجوب إجراء تعديلات دستورية تراها ضرورية لانتظام العمل السياسي وسدّ بعض الثغرات التي لم يلحظها دستور الطائف، وهي لا تلقى قبولاً من أطراف سياسية أخرى، مما يُدخل البلاد في متاهات وتجاذبات سياسية هي في غنى عنها في الوقت الحاضر·
ولا يقتصر الأمر عند حدود إجراء تعديلات دستورية تتيح لرئيس الجمهورية تولي مهمات هكذا صندوق مالي على هذا النحو فقط، بل يتطلّب الأمر كذلك إيجاد آلية قانونية للمراقبة والمحاسبة وتحديد المسؤولية عن صرف أموال الصندوق المذكور، وهذا يبدو متعذّراً بسبب الحصانة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية بموجب صلاحياته الدستورية وتجعله بمنأى عن أي مساءلة أو محاسبة من قبل أي سلطة كانت خلافاً لسائر المسؤولين عن صرف الأموال العامة في المؤسسات والإدارات الرسمية الأخرى، مما يطرح تساؤلات عديدة عمّن سيكون المسؤول في النهاية عن أموال هذا الصندوق·
أما الناحية الأهم في الاقتراح المطروح لإنشاء صندوق على هذا النحو، فهو تجاوز صلاحيات الحكومة الدستورية بالكامل، ومحاولة انتزاع هذه الصلاحية منها ونقلها الى موقع آخر خلافاً للنصوص الدستورية، والسعي لحصر سلطة الائتمان وصرف الأموال في مثل هذا الصندوق من صلاحيات رئيس الجمهورية أو من يتم تعيينه في الصندوق بعيداً عن سلطة الحكومة الحالية وأجهزتها الرقابية القائمة·
وهذا التوجّه بإنشاء صندوق سيادي يعني حتماً سحب الثقة من الحكومة الحالية والتشكيك بقدرتها الائتمانية في المحافظة على الأموال العامة، في الوقت الذي تمارس فيه هذه الحكومة مسؤولياتها في إدارة السلطة وتسيير شؤون الناس وتتولى مقدّرات المالية العامة للدولة والائتمان على الخزينة وصرف الأموال على إدارة المرافق العامة وتنفيذ المشاريع في مختلف المناطق اللبنانية·
كما يهدف هذا التوجّه أيضاً الى زعزعة ثقة الأطراف السياسيين المشاركين في حكومة الوحدة الوطنية بعضهم ببعض ويزيد من حدّة التباينات والانقسامات القائمة ويسمّم الأجواء السياسية بين مختلف الأطراف السياسيين ويضع البلاد في حالة من عدم الاستقرار والتشنّج السياسي المتواصل·
والملاحظة المثيرة في الاقتراح المطروح، أنه في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المواطنين ودعوات بعض السياسيين لإنهاء مهمات الصناديق والمجالس التي انبثقت عن الحرب الأهلية ومتفرعاتها وكلّفت خزينة الدولة واللبنانيين مبالغ مالية طائلة، صُرف معظمها لغايات سياسية خاصة، يُطرح اقتراح <إنشاء الصندوق السيادي لعائدات النفط> في محاولة لتكريس هذه الصيغة في التركيبة اللبنانية وكأن المطلوب تخصيص كل طائفة بصندوق لتتساوى الطوائف ببعضها، فيُصبح لكل طائفة صندوق، وهو ما يتعارض كلياً مع شعارات وعناوين تقوية مشروع الدولة وإصلاح المؤسسات التي رُفعت منذ بداية العهد الحالي وما تزال تتصدّر كل المواقف والتصريحات السياسية اليومية·
ولا يبدو اقتراح إنشاء <الصندوق السيادي لعائدات النفط> بالشكل المطروح فيه بريئاً على الإطلاق، بل يحمل بروز محاولات لافتعال خلافات بين المرجعيات السياسية المتعاونة مع بعضها البعض في هذه المرحلة، والأهم أن لا يقع المعنيون في هذا الفخ المنصوب بحجة المطالبة بصلاحيات رئيس الجمهورية السابقة·