مات شارل مالك، عاش سعيد ميرزا؟

كان يحلو قديماً لسمير جعجع، حين يريد التعبير عن يأسه من مستوى «الوعي السياسي» عند ناسنا، أن يذكر ويتذكّر كيف أن قضاء الكورة، المنطقة التي تحتوي على أكبر نسبة من المتعلّمين الجامعيين في لبنان، انتخب ذات مرة شارل مالك نائباً عنه، ثم انتخب بديلاً منه باخوس حكيم…

طبعاً، كان ذلك مجرد تعبير في القول، أما في الفعل، فكانت لجعجع تجربة أخرى بدأت باعتقال الابن الوحيد لشارل مالك، وانتهت بتعيين مسؤول عن إحدى قرى الكورة، لا يتورّع عن قتل إنسانين قبل إلقاء التحية…

المهم، أن العبرة في ذلك تلك المأساة الفعلية التي يعيشها شارل مالك في بلاده، أي في بلادنا. هو مَن أسهم على نحو أساسي وحاسم في صوغ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ونحن مَن يسهم على نحو منهجي وقاطع في استباحتها.

منذ الإعلان، منذ 62 عاماً، كانت ثمّة مشكلة لدينا في فهمه، وكان عصيّاً على إدراكنا أن يستوعب معنى «الحق الطبيعي»، وكيف لحرية ما أن تكون فوق المرسوم الحكومي، وفوق القانون التشريعي، وحتى فوق الدستور التأسيسي، ولو كان ميثاقياً، «طائفياً». وكان الناشطون في هذا المجال يدأبون على محاولة الشرح: يقولون للناس مثلاً، إن ثمّة اتفاقية دولية لمناهضة التعذيب، وضعتها الأمم المتحدة سنة 1987، أي منذ أقل من ربع قرن. فهل هذا يعني أنّ التعذيب كان قبل عام 1987 أو كان مسموحاً أو مقبولاً به؟ طبعاً لا؛ لأن الحق في «سلامة الشخص» الإنساني، هو حق طبيعي، وبالتالي متأصّل في الإنسان، مولود معه، غير مكتسب بقانون ولا بدستور ولا بعهد دولي. والأهم أن هذه الحقوق الطبيعية الأصيلة والمتأصّلة لا يمكن انتزاعها، ولا يمكن التنازل عنها. فهل يمكن قانوناً يقرّه مجلس اشتراعي، ولو بإجماع هيئته العامة، أن يسمح لإنسان بالتخلّي عن حياته أو التنازل عنها؟ قطعاً لا. لأن «الحق في الحياة» جزء من تلك المنظومة الحقوقية…
وهذه المنظومة لا تقف عند السلامة الجسدية والحياة الفردية، بل تشمل كل ما جمعه شارل مالك ورفاقه في تلك الشريعة الإنسانية الكونية، التي اسمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي هي ـــــ حتى اللحظة ـــــ خلاصة التفاعل الفكري البشري حيال قضايا الحريات الخاصة والعامة.

منذ إعلانها، يعاني لبنان صعوبة في فهمها. فضلاً عن التطبيق. فكيف تشرح لرجل دين مثلاً عندنا أن لي الحق في الإيمان، كما في تغيير إيماني، كما في رفض الإيمان والإلحاد المادي الكلي المطلق، وأن أي انتقاص من هذا الحق هو انتهاك للحق في حرية المعتقد؟ أو حتى في مثل أكثر بساطة، كيف تشرح لرجل الدين أنه لا يحق له أن يقيّد حريتي في الزواج، لا بورقة ولا بعقد ولا بأي إجراء، لأن ذلك مخالفة صارخة للمادة 16 من الإعلان؟ وكيف تشرح لنائب عندنا أنه لا يحق له حجب الجنسية اللبنانية عن إنسان تتوافر فيه الشروط القانونية اللبنانية لاكتسابه الجنسية، لأن ذلك انتهاك فاضح للمادة 15 من الإعلان؟ وكيف تشرح لهذا الوزير في تصريحه أمس أنه لا يحق له أن يصدر حكماً بإدانة مشتبه فيه، وأنه يدوس المادة 11 من الإعلان، حين يقول عن متهم إنه «عميل»، وأن للمشتبه فيه الحق في ملاحقة هذا الوزير ومقاضاته، ولو صدر لاحقاً حكم مبرم بحق الموقوف، ما دام كلام الوزير استباح «قرينة البراءة»؟

لكن أن يبلغ بنا الأمر أن يصير البلد برمّته عاجزاً عن أن يشرح للمسؤول القضائي الأول، وللمسؤول الدستوري الأول في الدولة، معنى ومضمون المادة 19 الشهيرة من الإعلان نفسه، التي تتناول حرية الرأي والتعبير، فتلك الكارثة الكبرى.

باختصار شديد، إن فلسفة هذه الحرية تجمع بين التفكير والرأي والإعلام الجماهيري في رزمة واحدة. ذلك أنه ما معنى الحق في التفكير، إن لم يكن يعني حكماً الحق في تكوين الرأي والتعبير عنه؟ إلا إذا كان ثمّة مَن يعتقد أنه قادر حتى على مراقبة الأفكار في رؤوس أصحابها. ثم ما معنى الحق في التعبير عن الرأي، إن لم يكن يعني حتماً الحق في إعلانه للناس عبر وسائل الإعلام الجماهيري. إلا إذا كان ثمّة مَن يقدر على محاسبة رأي الفرد بينه وبين نفسه…

بمعزل عن الحيثيات والملابسات، ما يحصل في مسألة الفايسبوك، مسّ خطير بجوهر حقوق الإنسان في لبنان، تماماً كما كل الأخطار الحقوقية الأخرى. فهل علينا أن نصرخ: مات شارل مالك، عاش سعيد ميرزا؟

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل