#adsense

الدولة التي توكل امرها للاخرين

حجم الخط

شيئا فشيئا يسود في لبنان فكر استبدال الدولة والنيابة عن الدولة، وشيئا فشيئا يعتاد اللبنانيون على الهرطقة التي تنادي بامكان استبدال الدولة والحلول مكانها فالتوجه الحديث لدى البعض من اللبنانيين بلغ به حد الاستغناء – ولو نظريا – عن وظيفة الدولة ودورها واختصاصاتها الدستورية والقانونية والدولية بحجة دعم المقاومة وتشريعها – حتى ان "حزب الله" بات هو الدولة فيما الدولة في تسليم لامرها اليه في المفاصل الاساسية.

الدولة اللبنانية تتعرض للمساءلة الدولية في الجنوب عن اعمال ليست هي من تأمر بها ولا على الاقل هي من تشرف عليها في ظل استمرار الغياب التام لحصرية قرار الحرب والسلم ولضياع الاستراتيجية الدفاعية في ادراج التمويه والتمييع والتأجيل … فاذا اعتد مواطنون على القوة الدولية في الجنوب حمّلت الدولة المسؤولية (هذا في منطق الغرب والعالم المتمدن امر طبيعي وقاعدة لا تعرف الزغل) وطولبت السلطات الرسمية اللبنانية باتخاذ الاجراءات لمنع تكرار ما حصل ولمعاقبة المعتدين …

لكن ما حصل لم يكن قرارا رسميا من الدولة والمعاقبة على "الفعلة" لن تكون بالتأكيد قرار الدولة …لان الدولة مستقيلة من مسؤولياتها في الجنوب والدولة مسلمة امر الجنوب كله الى المقاومة … بما يشبه الدولة ضمن الدولة والنفوذ ضمن النفوذ …. ويخلق سوابق سياسية على حالات استقالة الدولة الوظيفية والميدانية، فيما هذه الدولة لا ترى موجب للقلق من هذه المعادلة طالما ان المثالثة والمزاوجة بين الشعب والجيش والمقاومة قائمة على افضل ما يمكن بمباركة الدولة نفسها وبتسليم منها بالامر الواقع … فلا حول ولا قوة الا بالمقاومة ولا امكان لدولة الا بالمقاومة … فها هي الاستراتيجية الدفاعية الحقيقية من تحت الطاولة، فيما الطاولة بدأت تتحول الى "تفصيل" مسل ومقطع للوقت … او بالاحرى "طاولة الواجبات الاجتماعية "…
فمن المسؤول عما حصل في الجنوب منذ ايام من اعتداءات على قوات اليونيفل؟ ومن يمكنه الرد على قلق المجتمع الدولي مما حصل …؟ ومن المرجعية في الجانب اللبناني لمعالجة زيول ما حصل؟

طبعا الجواب هو في الباطن والحقيقة المقاومة، وتحديدا حزب الله، فيما الظاهر هو الجيش اللبناني لان القرار السياسي في الجنوب ليس ملكا للدولة وليست الدولة متحمسة لانتزاع القرار الشرعي من يد المقاومة وهي تسلمها امر الجنوب من تحت الطاولة تحت شعار التنسيق بين الثلاثي – البدعة : شعب وجيش ومقاومة.

فهذه الازدواجية في الموقف اللبناني لم تعد قادرة على انتاج مصداقية لبنانية دولية فضلا عن تحولها الى لعب بالنار امام بداية تيقن الدول المشاركة في القوة الدولية جدوى استمرارها الامر الذي سيطرح مجددا وبقوة على بساط البحث مصير القرار الدولي 1701.

كذلك اليوم، وفي ظل الضجة بشأن الثروات البحرية البترولية والغازية وما يحكى عن ترسيم حدود بحرية، نراها كمن يحاول الهاء الرأي العام عن التحديات الاساسية المتمثلة بالترسيم البري للحدود وعن تحديد طبيعة ما للبنان من سيادة على ارضه – وما لسوريا من سيادة على ارضها – وصولا الى البت بلبنانية مزارع شبعا … فاذا بلبنان اليوم يقدم لـ"المقاومجية" طبقا شهيا من الذرائع الجديدة لتبرير وجود واستمرار المقاومة وضرورتها تحت عنوان جديد وجذاب: انقاذ ثروات لبنان والدفاع عن حق لبنان في ثرواته، لان الدولة اللبنانية لا تستطيع هي بمفردها الدفاع عن هذه الثروة كما نسمع وسنسمع من "المقاومجية" وبعض الدولة بعد حين … وقد سمعنا منذ ايام ما يشبه هذا الكلام …

فالدولة المسؤولة دوليا ودستوريا وشرعيا عن مياهها واقليمها وسيادتها البرية والبحرية والجوية – هي نفسها الدولة التي ستستعين بالمقاومة و"المقاومجية" لتحصيل حقها … بناء لوكالة غير قابلة للعزل طالما ان المنطق الراسخ في هذه الدولة منطق التسليم بكل شيء للمقاومة … ومن هنا نلاحظ انفتاح "قريحة" المقاومجية خلال هذا الاسبوع على موضوع الثروات وحضهم الدولة على الاسراع في اقرار مشروع القانون الخاص بالموضوع كي تأخذ المقاومة (وليس الدولة) زمام المبادرة وتطلق الانذارات والتهديدات لاسرائيل … لان الدولة اضعف من ان تهدد (ولو كلاميا) …. ولان الدولة لا تعرف لغة هؤلاء الصهاينة … كما يريدون اقناعنا في تصاريحهم وتبرير اولوية دورهم على دور الدولة …

واليوم ايضا وامام فضيحة جاسوس الفا – ايضا وايضا لن نتفاجأ من ارتفاع المزايدات من هنا وهناك لربطها بالنهاية بمصيرية الوجود وحتمية المقاومة طالما ان لبنان "عاجز" عن حماية نفسه … وهو مكشوف كما قال النائب محمد رعد ليصل الى حد اتخاذ القرار بملاحقة ومتابعة البرامج الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وسواها ما يؤكد زيادة الزرائع في مصلحة بقاء وتعزيز المقاومة وبالتالي تعزيز استقالة الدولة عن مهامها وتمكينها اكثر فاكثر من هذا الباب من التحكم بالوضع اللبناني الداخلي والقبض على كافة مفاصل العلاقات اللبنانية الداخلية والخارجية تحت شعار ان "لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة" وبالتالي مشروع المقاومة.

فلبنان مكشوف صحيح …. وهو فعلا مكشوف مع ان الدولة اثبتت وتثبت نجاعة قواها الامنية والاستخبارية ان اخذت المبادرة …

ولكن ان ذهبت بعيدا فماذا تترك للمقاومجية؟ اذ تصبح المقاومة بلا مبرر، فالقوى الامنية والاستخباراتية تقوم بعملها والمقاومة تقطف وتثمر النتائج سياسيا لصالحها وصالح استمرارها على حساب الدولة. هذا هو تقسيم الادوار فعليا لا بل ظاهرة تغييب الدولة واستباحة اختصاصاتها …

انه المنحى المؤسف في استقالة الدولة، والمنحى الاخطر في توكيل الدولة امورها الحساسة الى الاخرين …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل