جبران باسيل وتيمور جنبلاط، وجهان لمسيرة واحدة متشابهة، فاذا كان الأخير يمسك بيد والده، يرافقه الى الأماكن الحساسة وينتقل معه من موقع الى آخر، تمهيداً لتنصيبه وريثاً طبيعياً بعيداً عن آلام الوضع، ويلبس العباءة على جسمه "اللبيس"، لكن وريث المختارة يسلك الدروب التي سار عليها الاجداد، فيما نظيره الوزير باسيل اختار أهون الدروب التي توصله الى الطاحون، فاستظل منذ البداية أفياء عمه العماد ميشال عون، تنقل معه في العواصم الفاعلة والدسمة، فأمّنت له هذه الجولات الخارجية راحة البال والاطمئنان سلفاً في اي استحقاق وزاري، او في أي كباش داخلي، يخوضه للحصول على أي مقعد وزاري يشتهيه.
فالطموح لدى الوزير الشاب لا سقف له، وأقصى أمانيه أن يصل الى المكان الذي بقي عصيّاً على زعيم التيار، فالأوراق العديدة المؤهلة للتصفيات، يمتلكها الوزير الطامح، فمن ورقة التفاهم الى الورقة المشرقية الحديثة، الى الطائرة الرئاسية الموضوعة بالتصرف وبريقها الرئاسي المتوهج، جميع هذه تسمح لباسيل بالتمادي وبأن تراوده الأحلام الوردية… من يدري.
من ناحيته فإن شبيهه تيمور جنبلاط، يتلمس بهدوء وبعناية المسالك اللبنانية الوعرة، التي لطالما "تشقلب" عليها الوالد، وتيمور ينصرف حالياً الى العناية بشجرة العائلة الجنبلاطية التاريخية، فأعاد فؤاد (مولوده الجديد) الى المختارة، بعدما أدخل والده، أسماء ذات اصول كردية، أصلان وتيمور، وطالما ان الضريح يضج بالزائرين في حديقة المختارة حيث يشهد نشاطاً ملحوظاً، فان عودة الحفيد كمال باتت متوقعة، كما أعاد تيمور الحفيد الاعتبار الى جد أبيه فؤاد.
ولأن الشؤون العائلية هي من صلب الحياة العامة في البيوتات السياسية، لذا يجوز الحديث عن بعض الخصوصيات التي اصبحت من العموميات للذين يتعاطون في الشأن العام، فالوزير جبران باسيل مثلاً، عرف جيداً مكانته العائلية في الرابية، فاستفاد منها بذكاء نادر، وهو الخبير المدرك، عرف بإتقان من أين تؤكل الكتف، خصوصاً عندما اكتشف باكراً محبة الأحفاد الذين يملأون دارة العماد ميشال عون، فمن خلالهم تقدم الناشط السابق الصفوف الأمامية وسط الذهول وعدم التصديق للرفاق الذين استبدلوا اهدافهم التبشيرية من إصلاح وتغيير وخلافه، الى تعداد مزايا رفيقهم جبران في وزارة الاتصالات، لأن "المتخاذلين" تعرضوا للمساءلة او للتخوين، فالشعار الذي رفع كما جاء في كتب العماد: كرمال عيون جبران عمرها ما تكون الحكومة.
وحرصاً على التوازن في هذا السرد بين الشبيهين، نعود الى تيمور لنجد أن الجينات الوراثية فرضته زعيماً في دارة المختارة، بينما الجماهير الدرزية المحازبة تمارس الديموقراطية على عماها، تصفق من دون هوادة للزعيم الجديد الآتي باسم والده الذي كان يردد امامها كلمات وتعابير عن الحرية والديموقراطية، ويعدد مساوئ الأنظمة الخشبية والأحزاب الشمولية.
لكن الزعيم الاشتراكي الذي عشق التراث وهو من انصار البيئة والمحافظة على الطابع القروي، وجد في نجله تيمور استمراراً للعراقة التي تمتاز بها المختارة، فاطمأن اليه وريثا تستمر معه المختاره مرجعية وطنية لسنين طويلة، وفي يقينه بأن الجماهير ستزحف لاحقاً، لتعلن الولاء مهما طال الزمان.
اما عند العماد ميشال عون فالأمور تختلف كلياً، فالرجل جديد في مهنة الموروثات السياسية، وهو لا يؤمن كثيراً بالأفضلية الجينية لإدارة شؤون المحازبين والأنصار، لكن الجنرال الذي "حوّش" هذا الكم الكبير من المدد الجماهيري يحار كثيراً ويجد الصعوبات في وهب ما امتلكه بعرق المواقف وخطورة الحروب التي خاضها. فلم يجد – واليد قصيرة – سوى صهره، كي يستلم منه المشعل مع ادراكه التام بأن البريق سيخبو في الغد، لأن الأتباع قليلو الإيمان بالوريث المعيّن.
لذلك يضع العماد عون رصيده بالكامل لانجاح جبران، اخذه معه الى اصعب الزيارات، أوفده محاوراً وحيداً في أدق الاستحقاقات، ورسخ في عقول الخصوم بأن جبران الثابت الوحيد في الوزارة وأما الباقي فهو قابل للحوار والنقاش. كان يختار ويصرّ على الوزارة الخدماتية التي تليق به، استنفر له الاختصاصيين من انصار ومحازبين حتى تبهر نجاحات وزيره جميع المعترضين، ولمن فاته ولم يدر الى أين ذهبت أموال المزايدات، فإن وزير الاتصالات جبران باسيل هو أول من أطلق المزاد ليبيع الأرقام الذهبية للهاتف الجوال، واليوم في عهد خلفه شربل نحاس ذهبت المزايدات والأرقام المميزة مع الريح ولم نسمع كلمة من الوزير الخلف عن الموضوع لأن نحاس مشغول جداً في المشاغبة المالية مع رىّا الحسن.
واللافت ان العقل العوني يختار بعناية الحقيبة الوزارية للوزير الثابت جبران باسيل، خصوصاً الحقائب التي تدوم وتدوم، فيستمر باسيل وزيراً عليها كي يشرف على مشروعه الطويل الأمد او يقضي الله أمراً… فالكهرباء مثلا، يلزمها سنوات عديدة، هذا اذا اصلحت قبل ان ينضب البترول في العالم، وتلزمها اعتمادات مالية كبرى تصل الى اكثر من 3 مليارات دولار، وبذلك استطاع باسيل ان يفرض بقاءه في الكهرباء حتى نهاية مشروعه او ربما الى حين استخراج الطاقة من البحر المتوسط.
وهكذا اطمأن اللبنانيون بأن لا فضل لسياسي على الآخر سوى باختيار الأقل سوءاً لينصب وريثاً عليهم. وفيما يسمع اللبنانيون كلمات تفرغها افواه الزعماء عن السيادة والحرية والديموقراطية وسائر أخواتها، فان وليد جنبلاط يجول مع نجله تيمور في الأماكن الحساسة وميشال عون يتنقل مع جبران باسيل في عواصم القرار.
واللبنانيون ادركوا جيدا ان الزعماء يتوارثون ويتناسخون وكلهم عند اللبنانيين… صابون.