لا تنفك اللغة تخون السياسة والتبليغ عند "حزب الله" وبعض نوابه يا اخوان، وافتراضنا هذا يأتي من افتراض وجود نيّات حسنات عند هؤلاء، عدا عن توقع إلمامهم بلبنان و"طبيعته" وطبائع ناسه وجغرافيته وتاريخه في الإجمال.. وبأصول السياسة وفن إدارتها وتوقيت مواقفها أصلاً وفرعاً.
النائب محمد رعد وصل الى نقطة لم يسبقه اليها أحد في هذا السياق. فهو أكد في جملة واحدة ان علينا كلنا من دون استثناء أن نقدم أمامه فروض الطاعة السياسية، وأن نكفّ عن المحاججة وطرح الأسئلة وإبداء القلق على بلدنا وعائلاتنا ومصائرنا، بل أن نكفّ عن التفكير في الإجمال، فهو يتكفل بذلك. وهذه المكرمة ليست من عندي بل من عظمة لسانه "إنكشاف عميل الاتصالات يدفعنا الى التفكير بكثير من الحذر والجدية لملاحقة كل ما نرتاب به في الثقافة والأمن والاتصالات والإعلام والاقتصاد". نسي الزراعة والسباحة والكزدرة على الكورنيش؟!
بجملة واحدة اختزل السيد رعد القانون والدستور والدولة ومؤسساتها وشرائعها وقضاتها، وطرح "برنامج عمل" تخجل دول عظمى من تكثيفه بهذه الطريقة، عدا عن اشتماله على رائحة ترهيب بدائي ليس إلا. فمن يدري بمن يرتاب السيد رعد، وما هي شروط ذلك الارتياب عنده، وما هي آليات مراقبة المرتاب بهم، خصوصاً وانهم منخرطون في شرائح تمثل حيزاً واسعاً من النسيج الوطني والقماش المشكّل لثوب اجتماعه وكينونته.
وأفترض سلفاً، ان التهويل هنا مرادف للترهيب. وتحت شمّاعة خطيرة وكبيرة اسمها العمالة ننتقل من حال الى حال مع "حزب الله" وبعض نوابه ونهجه المسلح. وبهذا المعنى يصير من حق المعترضين على سلاحه أن يكملوا اعتراضهم، ومن حق المتخوفين أن يكملوا تخوفهم، ومن حق المشككين باستخداماته الداخلية أن يؤكدوا شكوكهم.
غلبة السلاح تعوّض ضعف المنطق وغياب الحجة الواضحة والمقنعة!
والناس في البلد تعرف أكثر من ذلك. تعرف أن الارتياب قائم أصلاً قبل انفضاح قصة العمالة، وآليات ذلك الارتياب مترجمةٌ رقابةً وتنصتاً ومتابعةً وما الى ذلك من فنون أمنية. ولا أحد يجادل في الموضوع (تصوروا!) ولا أحد يطبخ بحصاً في وليمة موهومة: "حزب الله" مُهدد من إسرائيل. نعم ومليون نعم. والبلد بأمه وأبيه وأولاده وأحفاده مُهدد من إسرائيل. نعم ومليون نعم، وثمن الغفلة الأمنية فادح ولا يُحتمل. نعم ومليون نعم.. لكن هذا شيء يا اخوان، والإعلان الاحتفالي الصاخب عن "الارتياب" بشرائح طويلة عريضة شيء آخر.
من يرتاب لا يُعلن. ومن يُلاحَق يبقى مستوراً. ومن يعمل في الأمن لا يكشف عن "مواضيعه"، ومن يشك بأحد لا يبلّغه عن ذلك الشك، ومن يتابع "العملاء" لا يقول لهم ذلك.. هذا ليس أمناً وطنياً جدياً. هذا إرهاب فكري يُوظَّف في السياسة ولا علاقة له بالأمن الوطني والقومي للأمة اللبنانية وأهلها. ومن يفعل ذلك انما يستخدم موضوعاً كبيراً وخطيراً في لعبة إعلامية سياسية صغيرة وضحلة ومكشوفة.
هل المشكلة في اللغة أم في المضمون، وفي المتن أم في الفرع عند السيد رعد وبعض زملائه؟ قلنا إن اللغة تخون ومن الافضل تبعاً لذلك ان تُلاحَق تلك اللغة وتُضبَط تحت ساتر الكفِّ عن التهويل، والتفتيش فعلياً عن كيفية حماية لبنان (والمقاومة) من إسرائيل وعملائها، وليس تفريخ الأعداء مجاناً وإهانة الناس من دون وازع، واستخدام لغة مستوردة من زمن بائد في بلد علّم العالم فكّ الحرف!