#adsense

خلفيات الهجمة السورية على زيارة جعجع الخارجية

حجم الخط

شكّلت زيارة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع والوفد المرافق لكل من مصر وفرنسا واسبانيا وغيرها من الدول، منعطفاً مهماً وتحولاً اساسياً في دور القوات والنظرة اليها، حتى يمكن القول ان ما قبل هذه الزيارة غير ما بعدها، وذلك للأسباب الآتية:

اولاً: أظهرت الزيارة الغنية بتنوعها ولقاءاتها والمواقف الصادرة عنها ان للقوات، وخلافاً للانطباع السائد، شبكة علاقات عربية ودولية، ومعلوم ان الدول الغربية خصوصاً لا تقيم علاقات مع قوى واطراف ان لم تكن هذه الاطراف وازنة ومؤثرة في بلادها وتتقاسم معها قيماً انسانية واخلاقية ومفاهيم دولتية ومؤسساتية.

ثانياً: أظهرت ان علاقة القوات بالخارج هي علاقة مباشرة لا بالواسطة، اي على رغم تحالفها الوثيق مع تيار المستقبل ضمن اطار 14 آذار، تمكنت من نسج علاقاتها بمعزل عن المستقبل، وذلك انطلاقاً من حيثيتها السياسية وتشبثها بثوابت "ثورة الارز" وتمسكها بدور لبنان تحت سقف الشرعيتين العربية والدولية، مما يدفع تلقائياً الدول العربية والغربية الى دعم القوات اللبنانية في مساعيها لاعادة الدولة في لبنان دولة طبيعية تساهم في تعزيز فرص السلام في المنطقة بدلاً من استمرارها ساحة تفجيرية للحلول السلمية.

ثالثاً: اظهرت ان القوات استطاعت ان تحاكي العقل العربي والغربي من خلال اثارتها قضايا تدخل في صميم اهتمامات المجتمعين العربي والدولي وهمومهما من القضية الفلسطينية الى السلاح النووي وما بينهما ارساء السلام في المنطقة، الذي يعيد الاعتبار الى الاستقرار والدينامية الى المجتمعات التوّاقة الى البحبوحة الاقتصادية والديموقراطية السياسية.

رابعاً: أظهرت هذه الجولة ومن خلال الاستقبال الحار والحفاوة المميزة التي حظي بها رئيس الهيئة التنفيذية من جانب الرئيس المصري والقيادة المصرية ان القوات هي الاجدر بمقاربة ملف المسيحيين المشرقيين والاضطلاع بالدور المحوري في هذا الموضوع الحيوي وملاقاة مساعي الكنيسة الكاثوليكية في هذا المجال، نظراً الى العلاقات الوثيقة التي تمكنت القوات من نسجها مع معظم القيادات العربية، وانطلاقاً من تمسكها بالتحالف المسيحي – الاسلامي والشراكة المسيحية – الاسلامية وايمانها بالتجربة – النموذج التي كان لها الدور الاساس في اعادة احيائها عبر الدور الطليعي الذي قامت به في محطتين تأسيسيتين: اتفاق الطائف وانتفاضة الاستقلال.

خامساً: اظهرت القوات ان بتكاملها مع بكركي اعادت الى المسيحيين دوراً محورياً افتقدوه في العقود الثلاثة الاخيرة.

لقد بددت القوات اللبنانية تدريجاً ومنذ الانتخابات النيابية الاخيرة تحديداً الى اليوم النظرة التي حاول البعض البناء عليها من اجل ضرب فكرة 14 آذار القائمة على التقاء الارادتين المسيحية والاسلامية حول ثوابت وطنية مشتركة ابرزها قيام الدولة اللبنانية، وهذه النظرة مفادها ان مسيحيي 14 آذار وفي طليعتهم القوات ملحقين بتيار المستقبل وذلك تبريراً لالتحاق مسيحيي 8 آذار بـ"حزب الله" وضربا في آن فكرة التجربة اللبنانية والتعايش المسيحي – الاسلامي والمناصفة المسيحية – الاسلامية. ومن هنا يمكن تفسير خلفيات الهجمة السورية القديمة – الجديدة على القوات والتي يمكن تلخيص أسبابها بالآتي:

أ – إن الهدف الاساس من وراء تصوير المسيحيين ملحقين بهذا المحور او ذاك هو اخراجهم من تحالفاتهم واعادة تركيب الاصطفافات من وطنية الى طائفية خدمة للأهداف السورية بأن لبنان وطن غير قابل للحياة من دون ادارة خارجية له، وخصوصا ان تجميع المسيحيين يجعلهم الطرف الاضعف، الامر الذي يدفعهم الى طلب حمايات مشبوهة تستبيح السيادة الوطنية وتستخدمهم لأغراضها الخاصة ومطامعها الذاتية.

ب – إن بناء القوات شبكة علاقاتها العربية والدولية القائمة على أولوية المصلحة اللبنانية يريح تيار المستقبل من الضغوط السورية المتواصلة عليه للفك عن القوات او للتأثير عليها بغية امتثالها لسقف التفاهم السوري – السعودي، الذي قضى بتجميد الوضع اللبناني والتسليم بشعار "لا غالب ولا مغلوب"، بينما سوريا تسعى لتوظيفه في خدمتها وتصويره بأنه انتصار لها.

ج – إن البعد الخارجي للدور القواتي معطوفا على دورها الداخلي يفسح في المجال امام عملية توزيع الادوار بينها وبين تيار المستقبل حينا والتكامل في ما بينهما أحيانا، مما يضمن استمرار انتفاضة الاستقلال ويؤكد متانة التحالف الـ14 آذاري المسيحي – الاسلامي.

د – إن توفير القوات الدعم العربي والدولي للقضية اللبنانية يخرج هذه القضية من خطر وضع اليد عليها أو المقايضة على رأسها. ففي حال قضت ظروف موضوعية معينة، على سبيل المثال، بانكفاء فريق معين مع احتفاظه بخياراته الوطنية، يقتضي بفريق آخر أخذ المبادرة لمتابعة المواجهة تحقيقا لمشروع الدولة.
هـ – إن استعادة القوات قدرتها على الوصل مع الخارج يكشف الحالة العونية التي تحولت منذ توقيعها وثيقة التفاهم مع "حزب الله" الى حالة معزولة عربيا ودوليا، بعدما اقتصرت علاقة التيار بدمشق وطهران، والعلاقة مع هذين النظامين، كما هو معلوم، هي علاقة توظيفية واستخدامية.

لعل مجرد التصويب السوري على زيارة الدكتور جعجع الخارجية يعني ان الزيارة حققت الاهداف المرسومة لها. فالدكتور جعجع صار بعد جولته الخارجية، بالنسبة الى السوريين، متفلتا من أي ضوابط او كوابح سورية، باستثناء حرصه على مراعاة الحريري منعا لأي استغلال سوري لتفاوت السقوف السياسية بين الرجلين. كما ان دمشق تدرك جيدا ان معادلة عام 1994 التي أدخلت الدكتور جعجع المعتقل السياسي مختلفة جذريا عن معادلة ما بعد عام 2005، وأن عزل سمير جعجع مستحيل التحقق بعدما تحول الى حاجة دولية وعربية لابقاء لبنان تحت سقف الشرعيتين الدولية والعربية، خصوصا بعد اعادة تموضع النائب وليد جنبلاط نتيجة أحداث ايار 2008، وانفتاح سعد الحريري على دمشق نتيجة التفاهم السوري – السعودي.

وعلى هذا الاساس، لا يمكن النظر الى زيارة ميشال عون المفاجئة والخاطفة لسوريا إلا على تقاطع الانزعاج السوري – العوني من الحراك السياسي الخارجي للبطريرك الماروني ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، وكأن لقاء الرئيس السوري واستذكار مسيحيي الشرق كافيان لاعادة الاعتبار الى عون. فالهجوم غير المسبوق من جانب البطريرك صفير أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي، في لقاء استمر حوالي ساعة، على العماد ميشال عون ليس أمرا تفصيليا او عابرا، لأنه يعري عون سياسيا ويواصل اضعافه شعبيا ويزيد عزلته خارجيا. وقد رفع بمواقفه الغطاء الكنسي كليا عن العماد عون حيث قال إن للأخير طموحات سياسية وهو لم يجد حليفا له سوى "حزب الله"، متسائلا عن جدوى هذا التحالف وفائدته على الساحة المسيحية، ومشيرا الى ان عون لم يعد قوياً بما يكفي مسيحياً، والى تراجع كبير في شعبيته بسبب طموحاته البعيدة عن المصالح المسيحية في لبنان والمنطقة.

واكثر ما يقلق سوريا و"حزب الله" ان اي تراجع لعون يعني تلقائياً تقدماً لجعجع، وبالتالي ما بين مواقف صفير والحراك الخارجي لجعجع صار عون في وضع لا يحسد عليه، باعتبار ان اعلان رأس الكنيسة المارونية بشكل واضح وصريح عن استيائه من تحالفات عون وطموحاته التي تتحكم بتحالفاته وسياساته البعيدة عن ثوابت الكنيسة المارونية، ينعكس سلباً على صورته الخارجية وعلى شعبيته التي تشهد تراجعات مستمرة، وهذا بالاضافة الى ان الحراك الخارجي لجعجع سيمنحه تفوّقاً نوعياً على عون لسببين على اقل تقدير:

السبب الاول: مرده الى ان القسم الاكبر من المسيحيين يرى تاريخياً في المجتمع الدولي الضمان الاساسي لوجودهم واستقرار دولتهم، وهذا ما سيجعل جعجع بنظرهم هو المؤتمن على مصيرهم ومستقبلهم.

والسبب الثاني: عائد الى ان البعدين المحلي والخارجي في شخصية جعجع سيضاعفان شعبيته وحضوره مقابل استمرار انحسار الحالة العونية التي تستند حصراً على البعد المحلي لعون.

واذا كان تراجع عون يقلق السوريين، فإن خطاب جعجع السياسي في المحافل العربية والدولية يربكهم، لان اقصى طموحهم هو ان يستمر الخطاب المسيحي، مشدوداً الى الماضي، ومتقوقعاً على نفسه، ومتوجساً من كل ما يطرح من حوله، بينما القول بأن حل القضية الفلسطينية يشكل مفتاح الاستقرار في المنطقة، ومناشدة الرأي العام الدولي فك الحصار عن غزة بمعزل عن الموقف السياسي من "حماس" وارتباطها بأجندة ايرانية، انما لانه من غير المسموح في القرن الحادي والعشرين محاصرة الناس وتجويعهم، كما مناشدة الرأي العام نفسه الضغط على اسرائيل لابرام التسوية مع الفلسطينيين، وانتقاد "حزب الله" من زاوية رفضه الانخراط في مشروع الدولة وعدم وضعه القرار الاستراتيجي في يد السلطة التنفيذية إبعاداً لشبح الحرب عن لبنان، وتأييده التنسيق الامني مع سوريا شرط ان يصب في مصلحة الطرفين، وعدم ممانعته اعطاء الفلسطينيين تسهيلات في حياتهم شرط الا تصب في التوطين (…).

لا شك في ان هذا السياق من المواقف يقلق السوريين، لانه يصعب عليهم دحضه ومواجهته، كما يخرج المسيحيين من ماضيهم وغرائزهم معيداً اليهم دورهم الطليعي في المبادرة والدفاع عن الحريات والعمل من اجل السلام والتفاعل مع قضايا ابناء منطقتهم وهمومهم ومشكلاتهم. فدور المسيحيين هو في الدفاع عن كل قضية عادلة، وفي توظيف قدراتهم وعلاقاتهم بغية المساهمة مع المجتمع الدولي في ايجاد الحلول المناسبة لهذه القضايا.

لقد قيل الكثير عن جولة الدكتور سمير جعجع الخارجية، ومن المؤكد ان هذه الجولة ستحظى بمزيد من الرصد والمتابعة والتحليل والتمحيص، ولكن الثابت في هذه المسألة ان وضع القوات والنظرة اليها، كما دور الدكتور سمير جعجع وحركته وديناميته، اي كل ما تقدم، يفضي الى خلاصة اساسية مفادها ان ما قبل الزيارة غير ما بعدها حتماً.

المصدر:
النهار

خبر عاجل