القول "إنما الأفعال بالنيّات" ينطبق نصاً وروحاً على واقع الحال في لبنان، وعلى حال الحكم والحال السياسية بصورة عامة.
وخصوصاً بعد اختلاط الحابل بالنابل على صعيد المعارضة المهيمنة على معظم الوزارات الأساسية داخل حكومة "الوفاق الوطني"، والممسكة بزمام المعارضة في كل شاردة وواردة. من الوضع المقلقز على التخوم الجنوبية الى الوضع المطلبي والمعيشي والاجتماعي في كل لبنان.
وفي مثل هذا "الاختلاط" الضرائبي يصعب، بل يستحيل على المراقب من بعيد او قريب التمييز بين تصرف المعارضة داخل الحكومة وتصرفاتها خارجها، واين تبدأ المعارضة الموالية او التي يفترض ان تكون ضمن الموالاة حيث تمارس السلطة وتتربّع في كراسي الوزارات الاساسية والسيادية والدسمة والتي تبيض ذهبا ونفوذاً، وبين المعارضة نفسها التي تتصدّر فجأة صفوف المعترضين والمطالبين والمحتجين والمضربين والمتظاهرين، وما الى ذلك.
قد تكون هي المرة الاولى والتجربة الاولى التي يشهدها لبنان، وتعيشها المؤسسات الدستورية، ويعانيها النظام الديموقراطي البرلماني.
فالأعراف والتقاليد الديموقراطية تنص على أن يمثّل مَن داخل الحكومة ما يُسمّى الموالاة، وأن تتولى القوى التي خارجها زمام المعارضة.
أما أن يكون المرء موالياً ومعارضاً في الوقت نفسه، داخل الحكومة وداخل المعارضة في آن واحد، فهذه ولعمري "ظاهرة" فريدة من نوعها.
وحالة غريبة عن الممارسة الديموقراطية.
قدامى السياسيين وأولئك الذين كانوا من حرّاس هيكل النظام والديموقراطية، والأصول، يتحدثون هذه الأيام عن "ازدواجية" مرهقة تسربل عمل الحكومة منذ تأليفها، وتعرقل تالياً مخطّط الإنماء والإعمار والعبور الى الدولة.
فالصورة السياسية ليست مشجّعة عموماً، والسؤال سيكون دائماً: أية معارضة هي هذه، وأيّة موالاة؟
وهنا تحتاج المسألة الى أكثر من منجم مغربي، والى أمهر من قارئات الفنجان ومنظّري التلفزيونات ونجوم الزجل السياسي.
صحيح ان المعارضة دخلت الحكومة وصارت شريكة شرعية ودستورية في كل قرار، ومشروع، وقانون، وموقف، إلا أنها لم تنتمِ بعد الى الموالاة. انتمت الى الحقيبة الوزارية. الى السلطة. لكنها لم تغادر مقاعد المعارضة.
مما جعل الوضع مائلاً لمصلحة "الحال الكاريكاتورية"، لا الى الوضع الذي يصفه نيكولا ماكيافيلي بالتراجيديانتي الكوميديانتي.
من هنا القول للمعارضة، أو قول المندهشين المستغربين لها ان عليها الاختيار بين وضعين. بين موقفين. بين انتماءين. اما معارضة صافية غير "مطعّمة" بست سبع وزارات، واما الدخول الى ملكوت الحكومة وخلع ثوب الميدان وعدّة المعارضة.
أما أن تبقى هكذا؛ على ما هي، رجلاً في البور ورجلاً في الفلاحة، نصفاً في الحكومة ونصفاً في المعارضة، فسيَطلع البلد من المولد بلا حمص.
وسيكون الشلل سيّد الموقف.