طهران "تجاوزت خطوطاً حمراً" في افغانستان وموسكو تخشى تمدّد "الطالبان" إلى "فضائها الامبراطوري"
"طائرة" العلاقات الروسية ـ الإيرانية في منطقة مليئة بـ"المطبات الجوية"
تمر "طائرة" العلاقات الروسية الإيرانية في منطقة مليئة "بالمطبّات الجوّية". "الطائرة" ليست معرّضة للسقوط، ولكن للكثير من المتابعة والقلق على كافة "شاشات الرادار" في العالم، خصوصاً في واشنطن. الملف النووي عنوان كبير لما يحدث، "المطبّات" نتيجة مباشرة لأجواء أكثر تعقيداً. العلاقات الروسية الإيرانية لم تصل أبداً منذ مطلع الثورة في إيران، إلى حالة من التحالف، لكن موسكو وطهران نجحتا في العقدين الماضيين، في طيّ صفحة "لا شرقية ولا غربية" من مسار العلاقات بينهما، وفتح صفحة من التعاون الحقيقي في مجالات كثيرة أبرزها العسكري والنفطي معاً. التعاون النووي جاء تكملة، لكن ذلك لم يكن الأساس. مع الزمن والتطورات تحوّل إلى "واسطة العقد" في العلاقات. موافقة موسكو على بناء مفاعل بوشهر عام 1994 فتح مساراً دقيقاً وحساساً في الوقت نفسه. موسكو قدّمت وطهران استوعبت. موسكو طلبت، وطهران قدّمت. وصل الأمر أنّه تم بناء "مدينة روسية" يعيش فيها نحو ثلاثة آلاف خبير روسي، في قلب "إيران إسلامية". لم يدخل إليها الإيرانيون، لكن الروس تمتّعوا ويتمتّعون بممارسة حياتهم طبقاً لأسلوبهم وطباعهم. كل ذلك مقابل أن ينهي الروس بناء محطة بوشهر النووية.
الروس أجّلوا مراراً إكمال بناء المحطة، لكنهم بالمقابل شاركوا وساهموا في بناء وتقديم ما يحتاجه الإيرانيون من مواقع وتجهيزات نووية مباشرة أو بواسطتهم من دول أوروبية لا يمكن للإيرانيين الحصول منها على ما يريدون. صبر الإيرانيون على الأعذار الروسية. استكمال باقي النشاطات النووية بمساعدة موسكو، استحق هذه التضحية. بالنهاية طهران بدت مطمئنة لحصولها على مفاعل بوشهر كاملاً، فلا داعي للخلافات. منذ أشهر تسرّبت المياه تحت "جسر الثقة" بين الروس والإيرانيين، حتى وصلت نتائج هذه الحالة إلى ذروتها مع انضمام موسكو إلى الاقتراع في مجلس الأمن لمصلحة القرار 1929 الذي يتضمن تشديداً للعقوبات لم يكن يقدّر أحد حصول ذلك.
موسكو استاءت كثيراً من طهران لأنها "قفزت فوقها"، واستعانت بالبرازيل في ملف التخصيب. موسكو عرضت كثيراً كما تقول من الحلول على طهران، ولم تسمع مرة واحدة كلمة نعم واضحة وعلنيّة، لذلك أحرجتها أمام واشنطن والأوروبيين. جاءت البرازيل من خلف المحيطات، لتجتاح سنوات من الجهود والعلاقات مع الجار الروسي. أكثر من ذلك بين ليلة وضحاها أجابت طهران بنعم كبيرة على الوساطة البرازيلية التركية، في خطوة وُصفت بأنّ القصد منها إحداث انقلاب استراتيجي في العلاقات الدولية. من ذلك وضع الجنوب في مواجهة الشمال من جهة، والاستقواء بتركيا والبرازيل على موسكو والأوروبيين من جهة أخرى. موسكو ردّت التحيّة بأحسن منها فصوّتت إلى جانب القرار 1929، فأرضت واشنطن والدول الأوروبية، ولم تخسر طهران حتى الآن، لأنّ عقود التعاون ما زالت مفتوحة. موسكو حالياً تعمل على تحصيل أكثر ما يمكنها من الأميركي تحديداً، مع المحافظة على الإيراني. اللعبة معقّدة جداً، لكن "الحاجة أم الاختراع".
طهران تضغط حالياً على موسكو لتنفيذ تعهّداتها السابقة خصوصاً في قطاع السلاح المتطوّر. نظام الصواريخ أس-300 للدفاع الجوّي نقطة شد وجذب دقيقة جداً للطرفين. السؤال: هل تجد موسكو ثغرة في آلية تنفيذ القرار 1929 فتنفذه، أم أنها تجد في القرار نفسه وسيلة للتخلص من تنفيذ هذا العقد المربك؟
أيضاً هل تشارك موسكو في عمليات تفتيش السفن الإيرانية أو حتى تعتبر أي عملية من هذا النوع مشروعة؟ هذا "مطب جدّي" قوي جداً، خصوصاً وأنّ طهران كما تقول "لديها خيارات مختلفة للرد بالمثل". هذا "المطب" ليس روسياً فقط، إنه دولي ايضاً، لأنّه يعني كل الدول التي تراودها فكرة تنفيذ هذا البند الذي تعتبره طهران "غير شرعي".
كل هذه "المطبّات"، لا تصنع موقفاً روسياً منحازاً إلى واشنطن وأوروبا. "المياه التي تسرّبت وسالت تحت جسر الثقة الروسي الإيراني"، من ذلك:
[ موسكو تتفهّم محاولة طهران حشر واشنطن في افغانستان، هذا الوضع في صلب المواجهة الواسعة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية. من الطبيعي أن يستثمر كل طرف "الأوراق" القويّة التي يملكها لتحقيق ما يسعى إليه أو بعضه. لكن ما أزعج موسكو في الأشهر القليلة الماضية، أنّ طهران قفزت كما يبدو فوق كثير من "الخطوط الحمراء". من ذلك أنّها همّشت بقوّة "تحالف الشمال" في افغانستان الذي يضم الطاجاكيين والاوزبكيين، وقوّت حليفها قلب الدين حكمتيار الذي في أساسه بشتوني لن يتغاضى كثيراً عن ضرب البشتون "الطالبان". ما رفع من منسوب الموقف الروسي الاحتجاجي، أنّ الوضع في الجمهوريات الإسلامية السابقة في الاتحاد السوفياتي التي تقع في "فضاء الامبراطورية" الروسية. جاءت الأحداث في قيرغيزستان لتؤكد مخاوفها من تمدّد "الطالبان" إلى هذا "الداخل الروسي". لذلك طوّر الروس موقفهم من افغانستان، فلم يكتفوا بفتح طرقات برّية وممرّات جوّية للأميركيين ولحلف "الناتو" باتجاه افغانستان بل عمدوا مؤخراً إلى تقديم طائرات نقل جوّي تساهم في المجهود العسكري للناتو مباشرة. هزيمة حلف "الناتو" في افغانستان أصبحت من سخريات القدر هزيمة لروسيا. لذلك تريد روسيا تعديلاً إيرانياً واضحاً وحقيقياً من الحرب في افغانستان.
[ موسكو وجدت مؤخراً "أصابع" إيرانية في جورجيا وغيرها، وحتى في التطوّر الأمني السلبي بين أرمينيا وأذربيجان. علماً أنّ مثل هذا التطوّر لم يثبت بعد وإن كان موضع متابعة ومراقبة فعلية.
مدير المخابرات المركزية الأميركية ليون بانيتا عمل على تسخين المخاوف الروسية، بالإعلان عن اقتراب موعد تحوّل إيران إلى قوّة نووية تملك وسائل نقل لأسلحتها النووية. هذا التطوّر إذا حصل خلال عامين يعني نشوء "جارة" نووية على تخوم موسكو. وزير الخارجية الروسي عمل على تخفيف "منسوب القلق" فأشار إلى أنّ طهران تملك أصلاً أكثر من 2000 كلغ من الاورانيوم القليل التخصيب الذي يكفي لصنع قنبلتين، مع ان الفرق كبير جداً بين امتلاك إيران لسبعة عشر كلغ من الاورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة وثلاثة ونصف بالمئة. المسألة من أي جهة تنظر بالمنظار إلى الوضع.
مرور "طائرة" العلاقات الروسية الإيرانية بسلام من الأجواء المليئة بالمطبّات الجوّية الكثيرة ليس أمراً مستحيلاً، لكنه بالتأكيد صعب ويحتاج إلى الكثير من الصبر خصوصاً وأن الأشهر القليلة المقبلة ستشهد الكثير من الاستحقاقات والاختبارات التي بعضها مصيري بلا شك.