قطع دابر العمالة يحتاج إلى توحيد الموقف اللبناني
الانقسام حول القضايا المصيرية يعمق أزمة الولاء
بعدما كثر العملاء في لبنان لاسرائيل ولغير اسرائيل وزاد الولاء ليس للبنان وحده بل لغيره ايضا، تذكر سياسي مخضرم قصة صغيرة لها مغزى وطني كبير ويمكن استخلاص العبر منها. وهذه القصة رواها الدكتور فؤاد افرام البستاني رحمه الله في كتاب عنوانه: "على عهد الامير" تقول القصة انه نزل على المير بشير ضيف من الامراء اعتاد صيد الغزلان. وفي صباح اول يوم من ايام الضيافة ترك الاميران قصر بيت الدين قاصدين هضبة تقع في الشمال الشرقي من دير القمر اسمها "الرام" وعند وصولهما احتل المير وضيفه "اليقلوم" (مكان الصيد) ووضعت "السركة" (انثى الحجل) على مرتفع قريب. وفيما هي "تترغل" كي تجذب بصوتها ذكر الحجل، اخذ المير بشير جفته ورمى به الحجل المأخوذ بـ"الترغلة" وقتله. اما ضيفه فرمى بجفته "السركة" وقتلها داخل القفص، فتأثر المير بشير كثيرا لكنه لم يشأ ان يزعل ضيفه خصوصا انه اعتقد بانه ربما لا يجيد صيد الحجال كونه معتادا على صيد الغزلان فأخطأ الهدف. الا ان الامير الضيف قال للمير بشير وهو مسرور بما فعل: "لقد تعمدت قتل "السركة" لان هذا هو جزاء كل من يعين الغريب على بني جنسه" فضحك المير بشير وقال له: "الحق معك، فمن خان قومه كان القتل جزاءه"…
وتساءل السياسي المخضرم بعد ان انتهى من رواية هذه القصة الصغيرة: كم بين اللبنانيين "سركات" تستدرج اخوانا لهم مخلصين لوطنهم ليقعوا في مصيدة الغرباء خصوصا عندما يواجه الوطن ظروفا مصيرية وصعبة تتطلب من الجميع التضامن والتكاتف لمواجهة المصير المشترك.
لقد تحمل اللبنانيون على مدى سنوات طويلة ويلات حروب عبثية مدمرة لان كل فئة اعتبرت ان لها قضية مقدسة تستحق التضحية من اجلها حتى الموت او التشرد والهجرة والتهجير. فكل شعب يناضل من اجل قضية مقدسة يؤمن بها لا بد ان يكتب له النصر. فالشعب اللبناني حارب ولا يزال دفاعا عن السيادة والحرية والاستقلال، والشعب الفلسطيني تحمل ويتحمل ظلم الآلة العسكرية الاسرائيلية وصمد وصبر على المعاناة والتشرد لانه مؤمن بقضيته وبحقوقه الوطنية المشروعة. الا ان كل شعب يخسر حقه وقضيته اذا كانت في صفوفه "سركات" تخون ابناء قومها، وتفضل الغريب على القريب وتخون ابناء جنسها حتى وان تعرضت للقتل. هذه "السركات" التي "تترغل" لتجذب طيورا تطير حرة في سماء لبنان لتوقعها في مصيدة الغرباء، تستحق القتل حتى داخل اقفاصها كما فعل ضيف المير بشير لان من يخون قومه فالقتل جزاؤه.
ودعا اللبنانيين للتصدي بتضامن لكل من يعتدي على استقلال بلادهم وعلى حريتهم، ولكل من يحاول ان يفرّق في ما بينهم ليسود عليهم كي لا يسود الحق والعدل والعدالة والاخاء والمساواة. فالحق وحده هو الذي يحرر والعدالة وحدها هي التي تكشف الحقيقة، ولا قيمة لمن يربح الارض اذا خسر الشعب، ولا انتصار اكيدا لشعب اذا كانت في صفوفه "سركات" تخون ابناء جنسها لخدمة صياد قريب او بعيد او غريب. فمئة عدو خارج الدار ولا عدو واحد داخل الدار… ولا انتصار للبنانيين الا اذا كانوا يؤمنون بلبنان اولا واخيرا، وان يحبوه بصدق واخلاص لا ان يحبوا عليه… وان لا يكون نفوذ في لبنان الا للبنانيين كما قال الرئيس سعد الحريري في معرض كلامه على العلاقات اللبنانية – السورية، والا يمر ولاء اللبنانيين لوطنهم عبر مذاهبهم وطوائفهم بل عبر مواطنيتهم الصادقة توصلا الى تثبيت نهائية لبنان الدولة والكيان، ويكون الخلاف ممنوعا حول القضايا الاساسية مثل الكيان والدولة ووحدة الارض والشعب والمؤسسات والسيادة والاستقلال والتحرير والحرية والامن والاستقرار، وان يسيروا في اتجاه واحد لحماية بلدهم وتجنيبه الاعتداءات والحروب وابقائه وطنا لجميع ابنائه، وطن التعايش الحقيقي والعيش الواحد بتعدده وتنوعه، وبأزهى ألوانه.
وذكّر السياسي نفسه بدعوة نائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس التي اطلقها على اثر تقليده الوسام البابوي على يد البطريرك الكاردينال صفير وقوله فيها: "ادعو في كل وقت الى المحبة والتوحد والى ان يكون لبنان فوق كل اعتبار. فالاختلاف في المواقف ووجهات النظر بين الافرقاء السياسيين امر طبيعي في البلدان المتقدمة والراقية والا لا تكون ثمة ديموقراطية وحرية، وان التباين في التفاصيل مسموح، اما الخلاف على الجوهر فخط احمر، والجوهر هو لبنان السيد الحر المستقل موئل اللقاء والحوار بين الاديان والحضارات والثقافات لافتا الى ان عمر لبنان من عمر التاريخ وهو ابدي سرمدي خالد وابواب الجحيم لن تقوى عليه باذن الله، وختم بتوجيه رسالة الى السياسيين يدعوهم فيها الى "ان يكون ولاؤهم الكامل والمطلق للبنان وان يترجموا فعلا وممارسة كلام النشيد الوطني "كلنا للوطن".
والرئيس الحص قال في حديث له: "ان معظم ساسة لبنان يدينون بالولاء للبنان بالقدر الذي يرتبطون فيه بولائهم لمراجع خارجية".
وفي تقرير مسؤول امني لقيادة الجيش ومديرية المخابرات في السبعينات قال فيه، بعد جولة قام بها على بعض المناطق اللبنانية: "وجدت ان في لبنان عملاء كثيرين ولكن ليس بينهم عملاء للبنان"…
وجاء في تقرير للسفير البريطاني في العراق الى وزارة خارجيته عام 1966: "التقيت في بغداد بالسفير الايراني لدى العراق واسمه بيراسته الذي كان يشكو من التوجهات العربية القومية للحكومة العراقية وان توجهاتها ناصرية، فقال له السفير الايراني: انا قابلت رئيس الحكومة العراقية ناجي طالب وقلت له انت لماذا تؤيد القومية العربية والاتجاه الناصري، وانت شيعي؟ فرد عليه طالب قائلا: "نعم انا شيعي لكنني عراقي وعربي ولست ايرانيا"…
وعلق الباجه جي وزير خارجية العراق سابقا على ذلك في مقال له في جريدة "الشرق الاوسط" بالقول: "ان هذا يؤكد تفكير حكام ايران على الدوام وحتى اليوم، اذ يعتقدون ان ولاء شيعة العراق يجب ان يكون للمذهب وبالتالي لايران، وهذا الاعتقاد يضيف مشكلة الى مشكلات المياه والحدود حيث قطعوا الآن مياه نهر الكارون عن العراق ويتدخلون بشكل سافر في الشؤون الداخلية، واصبح هذا التدخل واضحا وقويا ومؤثرا بسبب ضعف الدولة".
ولا يختلف الوضع السياسي في لبنان كثيرا عن الوضع في العراق في رأي السياسي اللبناني المخضرم، اذ ان لبنان اشتهر منذ عقود كساحة مفتوحة لحروب الاستخبارات المحلية والاقليمية والدولية مما جعل تهم العمالة تزداد وعلى كل المستويات، والاجهزة تتنافس بسبب اختلاف ميولها لقوى واحزاب سياسية داخل لبنان، وهو ما جعل النائب فؤاد السعد يتساءل في حديث له: "ماذا فعلنا بلبنان الكبير وماذا بقي منه اليوم؟ فالكيان اصبح مهددا والارض مباحة والحدود مستباحة والسيادة منتقصة والاستقلال مكبل".
الواقع ان في لبنان ازمة اخلاق وبيئات فاسدة، ولا بد كي تستقيم الاوضاع، من تعميق العيش المشترك ومن بناء وحدة وطنية على اساس الولاء للوطن اولا، وان تكون المواطنة انتماء وممارسة ومدخلاً الى مفاهيم الحكم الصالح.