#adsense

في ظل الاستمرار بتفكيك الدولة المسيحيون يُفتشون عن صيغة بديلة

حجم الخط

على الرغم من الكلام الايجابي المطمئن الذي يطلقه احياناً بعض كبار المسؤولين في الدولة، بنيّة طيبة وصادقة ومسؤولة، من أن الامور تتجه الى الأحسن، وان لبنان تجاوز مرحلة الخطر، وان الغد سيكون أفضل من الماضي والحاضر، الا ان الوقائع الملموسة على الارض تشير الى أن هؤلاء المسؤولين بنيّة، وبعض الافرقاء القادرين على التعطيل والعرقلة بنيّة مختلفة تماماً، واذا كان لا بد من الكلام بصراحة وشفافية، لا يمكن معه من تجاهل ان المسيحيين هم الذين يتحمّلون العبء الأكبر لسياسة الهيمنة والتسلّط التي يحاول البعض فرضها على أكثرية اللبنانيين، وفي شكل خاص المسيحيين منهم.

من هذه الوقائع ان الدولة المركزية القوية، ممنوع عليها أن تقوم الا اذا تبنّت رؤية وتوجهاً وسياسة معينة، اعلنت على لسان مسؤولين في دولة عربية واخرى اقليمية، وعلى لسان حلفائهما في الداخل، ومضمونها ان لبنان دولة مواجهة ضد اسرائيل حتى زوالها، وان المقاومة هي صاحبة الكلمة الفصل عسكرياً وسياسياً وحتى اجتماعياً، وان على لبنان الدخول في محور الصمود والممانعة، ونسج علاقاته مع الدول العربية والدول الغربية والامم المتحدة على هذا الاساس.

ومن الوقائع ايضاً الإلحاح المريب على اعطاء اللاجئين الفلسطينيين «الحقوق» التي لا بد ان توصل آجلاً ام عاجلاً الى التوطين المقنّع او المكشوف، دون الاخذ في الاعتبار الانعكاس الخطير على الوضع الديموغرافي المختلّ اساساً بفعل التجنيس العشوائي والتهجير والهجرة بسبب الحروب والاضطرابات الداخلية، وتجاهل قدرة الدولة المالية والاقتصادية، التي يطلب منها استيعاب حوالى نصف مليون لاجىء فلسطيني على ارضها ومؤسساتها، وبسلاحهم الكامل وتياراتهم السياسية والدينية المتعددة.
يضاف الى هذين العاملين الاساسيين اللذين يثيران خوف المسيحيين وقلقهم ربما اكثر من غيرهم، ان البعض يتصرّف في المناطق التي هو اقلية فيها، حتى الآن، وكأنه الحاكم المطلق، فلا يقيم وزناً لا للجيرة ولا للدولة، فقط لأنه مدجج بالسلاح، ويستند الى قوة أكبر واقوى تشدّ أزره، ومن المؤسف ان فريقاً من المسيحيين يعتبر ان قوته وحمايته تتأمنان من هذا البعض، وليس من الدولة ومؤسساتها وقواها الشرعية، ومن المؤسف أيضاً أن الفريق المسيحي هذا يأخذ المسيحيين في هذا التوجّه الى ذمّية جديدة تنتهي حتماً بتغييب وجودهم نهائياً.

* * * * *
ان المسيحيين على اقتناع تام بأن رئىس الحكومة سعد رفيق الحريري، ورئىس تيار «المستقبل» الواسع الشعبية، يدرك بصدق وعمق، اهمية العيش المشترك مع المسيحيين، ولأنه حريص على بقاء هذا العيش واستمراره، يكرر في كل مناسبة تمسّكه باتفاق الطائف الذي اوقف العدّ، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكأن سعد الحريري في أعماقه، خائف على انهيار الطائف والصيغة، وهو في شعور الخوف هذا، يتشارك مع المسيحيين الذين اصبحوا على اقتناع بأن النيّات الحسنة وحدها لا تقيم دولة ولا تحمي شعباً، لذلك هم يفتشون في ضوء الشمس ووضح النهار عن صيغة صلبة، يحمل تطبيقها الصحيح بذور التصاقهم بهذه الارض واستمرار وجودهم الحرّ، قريباً من اخوانهم في الوطن، ولكن بعيداً عن الضغوط والسيطرة والتحكّم بالقرار والمصير.

حتى الآن لم يتوصل المسيحيون الى صيغة محددة، ومركب هواجسهم لم يرسُ بعد في مرفأ امين، الا انهم بدأوا يجهرون علانية وبين بعضهم بعضاً، ان الاوضاع كما هي عليه اليوم لا يمكن أن تستمر، لأن استمرارها على هذا الشكل، في تسليم امرهم الى دولة مركزية لا تستطيع ان تحمي شعبها، او ان تكفل له حقوقه، هي دولة فاشلة في جميع المعايير، ولا يمكن ان تحظى بدعم رعاياها والتفافهم حولها، في حين ان بعض اجهزتها ومؤسساتها، يعيش عالماً آخر، غير عالم الولاء للشعب في جميع شرائحه.

* * * * *
ستزعق غداً اصوات تندد وتهدد وتتهم الذين يحاولون فتح باب يكفل وجودهم واستمرارهم وحريتهم وقرارهم الحر المستقل، انهم يسوّقون للتقسيم والتفتيت، ومخالفة الدستور، وفات هؤلاء ان الدستور يحمي حرية القول والفكر، ويعتبر المواطنين سواسية امام القانون، ولا يحق لاحد ان يغتصب حقوق وملكية احد، وحرية احد، وعلى أن الدولة هي صاحبة السيادة والسلطة على كامل اراضيها وبقواها الذاتية الشرعية، وكما ان الدستور يحرّم التقسيم، يحرّم ايضاً التوطين في جميع أشكاله.

من يريد وحدة لبنان وشعبه، فالطريق امامه واضحة : الالتفاف حول الدولة ورموزها، وخصوصاً رمزها الاول رئيس الجمهورية، وعندها تتأمن مصلحة الجميع وينزع الخائفون خوفهم من صدورهم وعقولهم، وتعود اللحمة الى الوطن والشعب، اما اذا استمر الاهتراء وتفكيك الدولة وتغليب المصالح الخاصة، فليختر كل فريق طريقه ومستقبله ونمط عيشه، في صيغة لا يعتدي فيها، ولا يهيمن أحد على أحد.

المصدر:
الديار

خبر عاجل