#adsense

قلق مصري على لبنان ••• وعتب على دمشق!

حجم الخط

…أجواء الصخب السياسي والإعلامي التي تعيشها القاهرة هذه الأيام حول بعض الملفات الداخلية، المُزمنة منها والمُستجدة، لم تشغل مواقع القرار القومي في الإدارة المصرية، عن متابعة التطورات المتلاحقة في المنطقة، منذ فتح صفحة المصالحات العربية، وصولاً الى واقعة أسطول الحرية، التي أكّدت عودة تركيا المدوّية الى فضاء الشرق العربي.

والحدث العربي ما زال يرنّ صداه في القاهرة، التي ما زالت تتصرّف وكأنها محور القرار العربي، ومركز الثقل في الموقف العربي، ليس فقط بسبب وجود مقر جامعة الدول العربية في عاصمة المعزّ، بل وأيضاً نظـراً لشبكة العلاقات القوية التي تُقيمها الإدارة المصرية مع عواصم القرار العربي والدولي، فضلاً عن ميزات الهدوء والحنكة والتبصّر التي تتّسم بها المواقف المصرية التي تجمع بين المصلحة والخبرة!

* * *
وحضور لبنان الدائم في دوائر القرار المصري يؤكد مدى اهتمام المصريين بالشقيق الأصغر من جهة، ويدلّل في الوقت نفسه، على مدى القلق المصري من مخاطر الوضع اللبناني الهش، وتداعياته السلبية على الوضع العربي برمّته، بما يزيد من حالة الضياع والتضعضع التي يُعاني منها النظام العربي منذ فترة.

والقلق المصري يبدأ باستشعار الخطر الكامن من وجود قوة مسلحة تفوق قوات الدولة الشرعية قدرة وتنظيماً وفعالية، وتتحكّم بقرار الحرب والسلم في البلد، على ضوء حسابات وتقييمات لها طابع حزبي وفئوي، وقد تكون ذات امتدادات خارجية، لا تكون للمصلحة اللبنانية فيها الأولوية المُطلقة.

* * *
وتراقب القاهرة بعين الحذر ما يجري حالياً في الجنوب اللبناني من احتكاكات متكررة بين <الأهالي> و<قوات اليونيفل> منبّهة الى الانعكاسات الشديدة الخطورة على الأمن والاستقرار في لبنان، في حال تطوّرت هذه <الاحتكاكات> بين الطرفين الى ما لا يُحمد عقباه، وانفلات من عقالها، وفقدان السيطرة الرسمية على الوضع في الجنوب.

وثمّة من يعتبر في القاهرة أن ملف خلية حزب الله في مصر أصبح من الماضي، بعدما قال القضاء كلمته فيه، وهذا الملف لن يكون حجر عثرة في التعاطي المصري مع الحزب والمؤسسات التابعة له، أو العاملة في فلكه، بدليل أن وفداً طبياً من الضاحية الجنوبية، ينتمي الى مؤسسة يرعاها الحزب، طلب الحضور الى مصر، وإيصال مساعدات طبية الى قطاع غزة، فتمّ توفير كل التسهيلات اللازمة من مطار القاهرة الى معبر رفح، وكان مسؤولو الوفد مرتاحين للترتيبات المصرية التي بقيت بعيدة عن حساسيات ملف الخلية وتداعياته المختلفة.

* * *
والحديث عن المصالحات العربية، وعودة الحرارة الى العلاقات اللبنانية – السورية، يُفسح المجال للكلام الصريح حول التعثّر الحالي لمحاولات المصالحة بين القاهرة ودمشق.
ليس من السهل على المتحدث المصري ان يُخفي شعوره بالمرارة عندما يتطرق الحديث الى القطيعة المستمرة بين مصر وسوريا.
ما زالت سوريا، بالنسبة للمصري، هي توأم الوحدة، شريكة الانتصار العربي الوحيد في حرب اكتوبر – تشرين، رفيقة مسيرة حافلة بالآمال والخيبات، كانت خلالها القاهرة ودمشق تتقاسمان السرّاء والضرّاء، وتشربان معاً كأس الانجازات، كما تتجرعان معاً علقم النكسات.

* * *
اخطر ما في الخلافات بين الاشقاء ان تتحوّل الشكليات أحياناً الى إشكالات تتحكّم فيها الاعتبارات الشخصية.
لم ينقطع التواصل بين القاهرة ودمشق في فترة التأزم السابقة إبان اندلاع الازمة اللبنانية وتباعد الموقفين المصري والسوري منها، الى جانب التباينات في ملفات اخرى، لا سيما الملف الفلسطيني• بقي الموفدون من البلدين يتنقلون بين العاصمتين، ويقابلون أحياناً كبار المسؤولين، ناقلين التحيات، وللتشاور حول بعض المواقف والآراء، التي كانت تتلاقى حيناً، وتتمايز حيناً آخر.

وعندما دقت ساعة المصالحة العربية، بعد مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وجهود أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، وتجاوب الرئيس بشار الأسد، وحضور الرئيس حسني مبارك وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خُيِّل لكثيرين ان قطار المصالحة سيصل الى القاهرة حاملاً معه الرئيس الاسد، بمباركة سعودية – كويتية – قطرية لافتة.
ولكن رياح الاشكالات المفاجئة، عاكست سفينة المصالحة عبر أكثر من مناسبة.

1 – توفي الحفيد الأقرب للرئيس المصري، فغابت دمشق عن تقديم المواساة.

2 – توفي الشقيق الأصغر للرئيس السوري، فلم تظهر تعزية الرئيس المصري في إعلام دمشق.

3 – أجرى الرئيس المصري عملية جراحية دقيقة، وتوافد الملوك والرؤساء للتهنئة بالسلامة واستعادة العافية.واستعدت القاهرة لاستقبال الرئيس السوري في شرم الشيخ، بناء على إشارة دمشق، وفي اللحظة الأخيرة ألغيت الزيارة، لان الدعوة المصرية لم تصل الى قصر المهاجرين.

4 – حاولت مساع عربية إتمام اللقاء بين الرئيسين المصري والسوري على هامش قمة سرت في ليبيا، ولكن الظروف الصحية للاول لم تمكّنه من الذهاب الى القمة، فضاعت فرصة أخرى.!

* * *
ولأن <العتب على قدر المحبة> كما يقول المثل العربي، فالعتب المصري على سوريا كبير.
ولكن مشاعر المرارة والعتب المصرية لا تُخفي إيمان القاهرة المستمر بحتمية اللقاء مع دمشق، وإعادة الروح الى هذا المحور العربي الاستراتيجي الذي يضم الرياض والقاهرة ودمشق.

وإذا لم يحصل اللقاء المنتظر اليوم أو غداً على ما يبدو، فهو لا بد حاصل في فترة قريبة، لان المخاطر المحدقة بالأمة تتطلبه وتنتظره، ولأن منطق التاريخ يفرضه!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل