#adsense

هل يوضع لبنان مرة أخرى أمام الخيارات الصعبة؟

حجم الخط

هل يوضع لبنان مرة أخرى أمام الخيارات الصعبة؟
القبول بالتوطين أو تحمّل اللاجئين اقتصادياً وأمنياً

يخشى مسؤول سابق ان يظل لبنان يواجه خطر توطين اللاجئين الفلسطينيين حتى وإن كان مرفوضاً لبنانياً وفلسطينياً. فلا الحصول على الحقوق الانسانية وحتى المدنية او عدم الحصول عليها يبعد هذا الخطر لأن الامر الواقع قد يفرضه الوقت والا اصبح لبنان مهدداً بأمنه واستقراره وهو ما جعل الرئيس السوري بشار الاسد يقول في حديث اجراه معه الصحافي عبد الرحمن الراشد عام 2000 "ان الانسحاب الاسرائيلي (من الجنوب) لا ينفي ان يرمي "حزب الله" سلاحه، فالانسحاب حل لمشكلة الاحتلال الاسرائيلي للبنان ولا ينبغي احتمال وجود خطر دائم على لبنان من اسرائيل في ظل عدم الانتقال الى المراحل الاساسية وهي العملية السلمية وما تشمله من حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وعودتهم الى ديارهم، وان الوضع الفلسطيني المسلح يشكل قنبلة موقوتة، في المنطقة بالاضافة الى تأثيره على الوضع الداخلي في لبنان، ونزع فتيل هذه القنبلة لا يمكن ان يتم الا في اطار التسوية السلمية الشاملة".

هذا الكلام معناه ان سلاح "حزب الله" باق وكذلك السلاح في المخيمات الفلسطينية وخارجها الى ان تتحقق التسوية السلمية وما تشمله من حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وعودتهم الى ديارهم، وهو ما حال دون تخلي "حزب الله" عن سلاحه وكذلك السلاح الفلسطيني خارج المخيمات رغم صدور قرار باجماع اللبنانيين على ازالة هذا السلاح لأن تنفيذ هذا القرار رهن بموافقة سوريا.

اما لماذا الخوف من التوطين ما دام جميع اللبنانيين وجميع الفلسطينيين يرفضونه، وقد نصت مقدمة الدستور اللبناني على هذا الرفض لئلا يعرض لبنان للتجزئة والتقسيم اذا ما حصل هذا التوطين، فيجيب المسؤول السابق بالآتي:

اولا: ان الاسرائيليين بجميع احزابهم يرفضون حق العودة للاجئين الفلسطينيين في لبنان وفي غير لبنان.

ثانيا: ان قيادات فلسطينية وحكومات عربية وأجنبية لا تعارض التوطين في حال حصوله كأمر واقع، وخصوصاً ان حق العودة هو من الاسباب الرئيسية التي حالت دون التوصل الى اتفاق على تسوية سلمية مع اسرائيل. فكيف يواجه لبنان اذاً المشكلة اذا ظلت اسرائيل ترفض العودة وترفض اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، او توقف تمديد العمل لوكالة الغوث بعد ان يتولى لبنان توفير الخدمات للاجئين الفلسطينيين لديه والتي كانت تتولاها، وخصوصا ان الفلسطينيين يشكون منذ مدة من تقليص خدمات "الوكالة" والتي بدورها تشكو من العجز في موازنتها؟

ثالثاً: ان قيادات لبنانية لا تزال تعيش هاجس الخوف من التوطين وتعتبره مخططا حقيقياً ومشروعاً قائما وليس مجرد ورقة مساومة وابتزاز رغم تأكيد ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عبدالله عبدالله في حديث الى "النهار" أن الفلسطينيين هم ضد التوطين ولا يمكن فرضه عليهم وان حقوقهم ليست للمقايضة".

والسؤال المطروح هو: هل يوضع لبنان مثل كل مرة امام الخيارات الصعبة التي يضطر معها الى القبول بها مكرهاً لأنها خيارات بين القبول بـ"الكحل" او مواجهة "العمى"، فيصبح التوطين المرفوض مفروضاً كحلٍ أحلاه مرّ ويصير الاختيار بين السيئ والأسوأ اذا ما وُضع لبنان بين خيار القبول بالتوطين ولو مكرهاً في مقابل مساعدات مالية تجعله يتخلص من حجم الدين العام الذي يزداد ارتفاعاً سنة بعد سنة فيثقل كاهل اقتصاده اذا اصر على رفض التوطين ومنع فرضه، فيواجه عندئذ وضعاً اقتصادياً ومالياً صعباً وخصوصاً عندما يضطر الى تقديم الخدمات عند توقف "وكالة الغوث" عن تقديمها فيتحمل لبنان اذذاك فوق طاقته عبئاً جديداً او يعود ليواجه تجدد العمليات الفدائية الفلسطينية من ارضه بحجة تأمين حق العودة بالقوة… الامر الذي يعيد تعريض الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي في البلاد للخطر، ويخلق للبنان تاليا مشكلة ديموغرافية واجتماعية لا حل لها.

وليس التوطين هو المشكلة الاولى التي يوضع فيها لبنان أمام الامر الواقع كي يختار بين توطين سيئ وتعريض الوطن لشتى الاخطار وهو الاسوأ.
وذكّر المسؤول السابق بحالات مماثلة واجهها لبنان في الماضي عندما وضع امام الامر الواقع وطلب منه ان يختار بين السيئ والاسوأ او بين "الكحل" و"العمى". وهذه الحالات هي الآتية:

1 – القبول بميثاق 43 شرطا للحصول على الاستقلال او مواجهة خطر مطالبة فئة لبنانية بالوحدة مع سوريا، فكان القبول بالميثاق.
2 – القبول باتفاق القاهرة او مواجهة تجدد نشوب حرب لبنانية – فلسطينية، ولبنانية – لبنانية، فكان القبول بهذا الاتفاق.
3 – القبول بدخول القوات السورية لبنان لوقف الاقتتال والا استمرت الحروب في لبنان ومعها حروب الآخرين على ارضه، فكان القبول بدخول هذه القوات والتضحية بجزء من السيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر.

4 – القبول باتفاق الطائف بما فيه من شوائب وتنازل عن صلاحيات، او مواجهة استمرار الحرب الداخلية وتحمّل المزيد من الدمار والخراب من دون طائل، فكان القبول به وإن على مضض.

5 – رفض القوات السورية الانسحاب من لبنان تطبيقاً لاتفاق الطائف اضافة الى القرار 1559، فوافق اللبنانيون المطالبون بانسحابها على بقائها كي لا يصطدموا باللبنانيين الآخرين الذين كانوا يعتبرون بقاء هذه القوات حاجة امنية ماسة للبنان.

6 – القبول ببقاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات رغم اجماع اللبنانيين على ازالته لان التنفيذ ليس في يد لبنان وحده بل في يد سوريا ايضا، وببقاء السلاح في يد "حزب الله" من دون سواه من الاحزاب وذلك بدعوى تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، وتجنبا لمواجهة فتنة داخلية كاد ان يذر قرنها عندما وقعت احداث 7 ايار.

لذلك، لا شيء يمنع وضع اللبنانيين، وان كانوا متفقين مع الفلسطينيين على رفض التوطين، امام واقع فرضه عليهم بأي وسيلة من وسائل الترهيب والترغيب.
إن هذا الوضع يدعو الى العمل منذ الآن على تفادي مواجهة الخيارات الصعبة وفرض حلول الامر الواقع على اللبنانيين وذلك باتخاذ خطوات عملية وتوظيف كل الطاقات والصداقات في المجتمع العربي والمجتمع الدولي، وعدم الاكتفاء ببيانات تصدر عن القمم العربية برفض التوطين بل بتحديد وسائل منعه اما باقامة دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية، واما برفض توقيع اتفاق سلام شامل مع اسرائيل الا بعد الاتفاق على حل عادل لمشكلة اللاجئين كأن اسرائيل تعمل جاهدة للتوطين علها تعرض لبنان لخطر التجزئة والتقسيم، وتواصل بناء المستوطنات لتحول دون قيام الدولة الفلسطينية.

إن مسلسل الاحداث في لبنان ومنذ عام 1943 الى اليوم، اظهر ان اللبنانيين اختلفوا اكثر مما اتفقوا على الامور والقضايا المهمة المصيرية، وان مشكلة اللاجئين هي قضية مهمة اتفق اللبنانيون عليها ولكنهم لم يتفقوا بعد على الوسيلة التي تؤدي الى حل هذه المشكلة، وان عليهم ان يبقوا الاختلاف في وجهات النظر تحت سقف المصلحة الوطنية والوحدة الداخلية لان كل محاولة للخروج عن هذا السقف هي تدمير للذات وغوص في المجهول.

المصدر:
النهار

خبر عاجل