أن تسمع خبراً عن اشتباكات بين القوات الدولية، المكلّفة حفظ الأمن والسلام في الجنوب، وبين الأهالي، ليس بالأمر الجديد كي لا نقول بـ "المستجد"، ولكن أن تسمع بأن أهالي "تولين" و"قبريخا" النائيتين، يأخذون على القوات الدولية عدم تقيّدها بالقرار 1701 الذي يُحدد مهمتها، او انهم يشتبهون، بأن هذه القوات ترغب في تغيير قواعد الاشتباك، في إطار خطة لتسهيل العدوان على لبنان، فهذا بأمر مستغرب!
فبمجرد أن تستمع الى أهالي هاتين البلدتين، يُدهشك كيف أنهم من صغيرهم الى كبيرهم، حفظوا القرار الدولي 1701 عن ظهر قلب، وصاروا من أكثر المطالبين بتطبيقه بحرفيته، لا بل يرون ان الإشكالية موجودة عند قيادة الجيش، لأن أي عمل تقوم به اليونيفيل، يجب أن يقترن بموافقة الجيش، أو مشاركته أو مرافقته لأي دورية من دوريات اليونيفيل.
لا يُخفى على أحد ان الأهالي في تلك المنطقة، يتحركون وفق تعليمات من "حزب الله"، المهيمن في الجنوب، هذا إن لم يكن عناصره في مقدمة المحتجين من الأهالي، لأن وبحسب ما علمنا من تفاصيل الاشكال الذي وقع في بلدة "تولين"، كانت دورية تابعة للكتيبة الفرنسية تقوم بمهامها، فاعترضها عددٌ من الشبان، وطلبوا منها الامتناع عن التصوير، وانتزعوا الكاميرات التي كانت بحوزتها، ما اضطر عناصر اليونيفيل، الى اطلاق النار في الهواء، وكان الرد أن هاجم الشبان آليات اليونيفيل ونزعوا منها الأسلحة الرشاشة، ما أدى الى تدخّل الجيش لحلّ الاشكال. كما نقلت بعض المعلومات، أن بعض الشبان عطّلوا ملالتين للقوات الدولية!
وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يستطيع أهالي بلدة نائية في الجنوب، اعتراض دورية ومهاجمتها وتجريدها من السلاح، ومصادرته وتعطيل ملالتين، اذا لم يكن هؤلاء تدربّوا مسبقاً على مثل هكذا عمليات؟
فظيعٌ كيف استطاع هؤلاء الرجال والنسوة والأطفال، اعتراض دورية ومعاقبتها لأنها تتدخل في شؤونهم الخاصة، وتنتهك "حرماتهم" وتلتقط صوراً لمنازلهم بالكاميرات، وتناسوا ان المهمة الأساسية لهذه القوات، هي منع الوجود المسلح لغير القوات الشرعية اللبنانية اي الجيش اللبناني. وهنا طبعاً لا ندافع عن التحركات التي تقوم بها اليونيفيل، اذا ما صحّت ولكن نسأل: ما هو مدى حرية التصرف لدى القوات الدولية؟
والمُلاحظ كيف أن رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد أكدّ بالأمس خلال احتفال تأبيني في ميفدون، ان "اليونيفيل لا تملك صلاحية التحرك كيفما كان، خلال وجودها في لبنان، وانما عليها ان تلتزم ما هو موجود في نص القرار 1701، كما ان عليها ان تنسّق بشكل دائم مع الجيش اللبناني، الذي يشكل المرجعية الامنية للبنانيين، اما اذا اراد البعض ان يفرض نفسه مرجعاً امنياً، يصادر السيادة الامنية في الجنوب، فهذا تجاوز للقرار المذكور"!
اذا ما أخذنا هذا الكلام، وقارناه مع تصريحات الأهالي في تولين وقبريخا، على وسائل الإعلام نتأكد أنه يتطابق وكلام النائب رعد مئة في المئة. اذاً لم يعد مسبب ومفتعل ومشجع هذه الاشكالات، خافياً على أحد.
ويضيف رعد: "اذا احب وزير خارجية بلد تابع للقوة الدولية، ان يقدم ورقة للاسرائيليين، فليقدّمها من جيبه وجيب بلده، وليس من جيب اهلنا. نحن لا نتعاطى على اساس خلفيات سياسية لدول لها وحدات في اليونيفيل، وانما نتعاطى معها وكأن مرجعيتها السياسية، هي الامم المتحدة ومجلس الامن، لكن ان كانت بعض الوحدات المشاركة تتلقى اوامرها من وزير دفاعها مباشرة، من دون التزام القرار 1701، فليسمحوا لنا وليخيطوا في غير هذه المسلّة، لان كثير من الدول التي تشارك في اليونيفيل، لا نتوافق مع سياساتها الخارجية لكننا قبلنا بوجودهم في لبنان، على قاعدة التزام قواتهم مرجعية الامم المتحدة وسقف القرار 1701". ومرةً أخرى، يؤكد النائب رعد بكلامه، ان هذه الاشكالات ليست بريئة بل هي "تصفية للحسابات" بين حزب الله وفرنسا، باعتبار ان الكتيبة الفرنسية هي التي أكلت النصيب الأكبر من الاعتداءات، بالأخص بعد اقرار العقوبات الدولية على ايران، التي لعبت فيها فرنسا دور رأس الحربة.
وكأن "حزب الله" يُحاول توجيه رسالة الى فرنسا، بأنه ما زال موجوداً على أرض الجنوب، وبأنها لا تستطيع ان تتخطاه عبر تقديم معلومات استخباراتية عنه، لإسرائيل بواسطة كتيبتها في "اليونيفيل" ، هذا ان كانت الكتيبة الفرنسية تقوم فعلاً بعمل استخباراتي لصالح اسرائيل.
اذاً ما حصل يا أخوان، هو مجرد تنبيه من "حزب الله"، أو توبيخة خفيفة لفرنسا على طريقة "حذارِ يا حبوب!".
ولكن ما يدفعنا الى الاستغراب اكثر فأكثر، كيف تغيّر موقف حزب الله من القرار 1701، الذي كان يعتبر أن هذا القرار، ما هو إلا صياغة جديدة للقرارات الدولية السابقة، والتي لا تصب إلا في مصلحة إسرائيل. وكيف كانت الأمم المتحدة بالنسبة لحزب الله، مجرد مؤسسة لا تخدم سوى المصالح الإسرائيلية والأميركية، وبأن إسرائيل لم تلتزم في يوم من الأيام بقرار دولي، ثم فجأةً نرى ان الحزب قد تسلّح بالقرار 1701، ولقّنهُ جيداً للأهالي في الجنوب، وصار موازياً لصواريخ "خيبر" و"رعد" و"زلزل"… وهنا تجدر الاشارة الى ان الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، كانتا من اكثر الدول التي ساهمت ودفعت الى وضع القرار 1701، وهذا فقط لإنعاش ذاكرة "حزب الله".
وبالرغم من ان القرار 1701 لم يُطبق بالكامل، واسرائيل هي اكثر من يقوم بالخروقات والانتهاكات، ولكن ما يجب التذكير به، ان هذا القرار يتعارض مع مقاومة "حزب الله"، لانه يطالب بحصرية السلاح. وهنا نلاحظ كيف يحاول الحزب تجزئة هذا القرار، فيتمسك بما هو لصالحه ويتناسى ما يُضر به.
توقيتُ هذه الاعتداءات على اليونيفيل يقودنا الى جملة تساؤلات: هل هي لإستباق تقرير بان كي مون حول القرار 1701؟ أم "تهديد" الجنود الدوليين بأنهم قد يصبحون أهدافاً لاعتداءات وعمليات إرهابية يقوم بها "مجهولون"؟ أم تخويف المجتمع الدولي من نتائج القرار الظني للمحكمة الدولية؟ ام ابعد وتتعلق بالعقوبات على ايران؟
وإذا كنا نجمع على ان جنود اليونيفل، هم لتأمين الحماية والإستقرار للشعب الذي سئم مغامرات الحرب والقتل والتهجير، فإن استهداف القوات الدولية، ما هو إلا ذريعة لإشعال الجنوب مجدداً أو للتلويح، بأن يوجد طرف وحيد يستطيع اشعال هذه الجبهة،لذا يتوجب على الدولة اللبنانية بكامل مؤسساتها أن تتخذ موقفاً رسمياً حازما،ً يضع حداً لمهزلة الإعتداءات المتكررة، لأن اليوم لدينا قوات اليونيفيل تقف بين حزب الله من جهة واسرائيل من جهة ثانية، واذا ما استمرت العمليات ضد القوات الدولية، لدفعها الى مغادرة الجنوب، سيبقى الجيش اللبناني وحيداً ومستفرداً بين "حزب الله" واسرائيل، وعندها أي مشكلة صغيرة قد تُشعل فتيل الحرب مجدداً.
على الدولة اللبنانية أن تتشبث اكثر بالقوات الدولية كسند للجيش، لا أن تنضم الى الفريق الذي يريد من "اليونيفيل" أن يُصبح مجرد "يوني" "فِـل" أو " فَـل"! فعندها لن ينفع الندم!