يمكن القول ان حكومة الرئيس سعد الحريري نجت بجلدها موقتا لان الازمة التي نشأت مع قوات "اليونيفيل" لم ترتب نوعا من القرارات المصيرية التي يمليها تغيير محتمل جذري في الواقع الذي يرعى الجنوب خصوصا ولبنان عموما. والامر لا يتصل فقط بما كان يمكن تخيله من تعقيدات في حال الوصول الى اتخاذ قرارات من الطراز المصيري، بل ايضا بما كانت القوى المشاركة في الحكومة لتجود به على الرأي العام الداخلي والخارجي في صورة "الدول اللبنانية" المتجمعة في حكومة الوحدة الوطنية قسرا واضطرارا حتى اشعار آخر كأنها نزيلة موقتة وعابرة لشاليه صيفي!
ولأن التعميم ظالم واعمى وجبان، لا يجوز اخذ سائر الطبقة السياسية بجريرة بعضها او معظمها، لكن المصيبة ان معظمها فعلا لا ينجو من الاختبار كلما استلزم استحقاق او حدث طارئ فحصا للقماشات السياسية المسؤولة. وهذا ما كشفته تكرارا الازمة مع "اليونيفيل" ليس في البعد الكبير المخيف الجاري الحديث عنه يوميا، بل في ما هو ابسط بكثير، اي في التعبير الخطابي وحده.
باستثناء تلك القلة المتحفظة المحاذرة تفلت الالسن حيال ازمة حساسة مع مجموعة دول ومن خلفها الامم المتحدة بقضها وقضيضها، فان الخطاب السياسي الآخر "المنشرح" امام مادة "تخصيب" تعبيري، راوح بين حدين مذهلين في الاستسهال فاذا بأحدهما ينضح بالتهويل، والآخر ينضح بالاستغلال، وكأن الامر لا يعدو كونه واحدا من الملفات اليومية المعتادة التي تبيح للجميع ترف الغرق المألوف في ملهاة التراشق واللغو الكلامي.
بدا الوسط السياسي بمعظمه متهالكا في اقباله على شغف التهويل والاستغلال في ازمة اثبتت ان اسوأ ما يمكن ان ينقلب على هذا الوسط هو انه لا يعرف متى يقيم وزنا للازمات الجادة المصيرية ويعزلها عن سليقة الصراعات الداخلية. هذا البعد الشديد السوء بلغ حدا هزليا مع التراشق بالمعرفة الناضحة في مسألة "قواعد الاشتباك" التي تنظم عمل "اليونيفيل" بالتنسيق مع الجيش، فيما المتراشقون انفسهم، ولا سيما منهم المشاركون في الحكومة، لا يفقهون الاثر السلبي الخطير لتجاوزهم هم بأنفسهم "قواعد الاشتباك" داخل الحكومة والسلطة بكل مستوياتها.
لذلك لم يعد غريبا ان يستبق بعض الاصوات هذه الازمة ليطلق نعيق الشؤم والتبشير بالنذر الخطيرة الآتية، كما لو ان كلاما كهذا هو من "الادبيات" الرائجة، وكما لو ان مطلقيه هم اقوى من كل الدولة المجمعة داخل مجلس الوزراء.
كما لم يعد غريبا ان تلبس هذه الازمة لباس التقاطع المشؤوم بين مسارات العقوبات الدولية على ايران، والقرار الاتهامي للمحكمة الدولية، والتهويل الاسرائيلي بالحرب على لبنان، ما دام الهروب السهل، بل الاستسلام السهل امام هذا التقاطع المحتمل هو صنيعة وسط سياسي فشل فشلا ذريعا في اقامة دولة حقيقية ذات سطوة كافية لمنع استمرار الحروب والمؤامرات قدر اللبنانيين الدائم المسلط على اجيالهم الواحد تلو الآخر.
ولم يعد غريبا ان يتحول الساسة منجمين ومبصرين ومستنزلي ويلات على ارضهم ما دامت معايير المسؤولية دمرت تماما الى حد بدا معه بعض الخطاب السياسي على مشارف صيف موعود بعافية قياسية،
كأنه يحرض على ضربه في المهد.
ومن اسف شديد، مع انه لا نفع لأسف ولا لمن يأسفون امام هذا الواقع المزري، انه ما كان لتهافت كهذا امام ازمة حادة ان يتمادى بما تمادى به لو كان "للدولة اللبنانية" اسنان ومخالب حيث يجب ان تكون، ولو كانت لديها حصانة لقمع المراهنين على ضعفها. ولو كانت الدولة اقوى اللاعبين على الاقل، او المتقدمة بين متساوين في افضل الاحوال. فحتى هذه صارت اضغاث احلام تكرارا، وهنا اخطر الاخطار بلا زيادة او نقصان.