#adsense

7 أعوام من العراك السياسي ضيّعت على لبنان فرصة الإفادة من نفطه

حجم الخط

إقرار القانون يرسم خريطة الطريق لآليات استدراج العروض والتنقيب
تقرير "ECL" الإنكليزية: 18 مليار برميل في 12 بئراً من أصل 87

كتبت سابين عويس في "النهار": ليست المرة الاولى التي يفتح فيها لبنان موضوع التنقيب عن النفط بما ان التوقعات عن احتمال وجوده تعود الى منتصف الاربعينات عندما بدأت محاولات حفر بئر تجريبية في المنحدر الغربي في جبل تربل شمال مدينة طرابلس. ونشطت بعد ذلك في الفترة الممتدة من عام 1953 الى عام 1966 عمليات البحث والتنقيب في المناطق اللبنانية لكن النتائج لم تأت على مستوى التوقعات وتالياً ولم تثر شهية الشركات العالمية فتراجع الاهتمام بالموضوع لكنه لم يتوقف، اذ ظل مثار جدل بين الفينة والاخرى تبعاً للأهواء السياسية السائدة ومستوى الاهتمام المعطى لهذا الملف الحيوي.

واذا كان ثمة جدوى تعلق على الحراك الحاصل اليوم حول هذا الملف فهي تتمثل من دون شك في اعادة تسليط الضوء عليه بقطع النظر عن الخلفيات السياسية او المزايدات المترتبة عليها وخصوصاً ان هذا الملف قطع خلال الاعوام الماضية أشواطاً كبيرة ببطء وانما بثبات وكان يمكن لولا العراك السياسي الذي شهده في محطات مختلفة أن يكون لبنان في مرحلة الافادة من ايرادات ذهبه الاسود القابع في أعماق الآبار.

وتكفي استعادة المراحل التي قطعها هذا الملف في الماضي القريب لتبين مدى الضرر الذي الحقته السياسة وتضارب المصالح والتقاتل على الصلاحيات بهذا القطاع المهم والذي دخل قسرا التجاذب السياسي لدى طرحه عام 2003 . فبعد توليه حقيبة الطاقة، قصد الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري لأمرين: التغطية السياسية لفتح الملف أولا وتأمين التمويل المطلوب ثانياً. واقترح الحريري آنذاك من أجل تأمين هامش أوسع من التحرك، احالة الملف على المجلس الاعلى للخصخصة القادر على تأمين التمويل الخارجي.

أولى الخطوات تمثلت في المسح الزلزالي الثنائي البعد الذي أجرته شركة "سبكتروم" الانكليزية لكل المناطق اللبنانية على نفقتها الخاصة واشترطت بيع المعلومات التي توفرها من المسح من الشركات المهتمة بالتنقيب على ان تقتطع نسبة 20 في المئة من بيع قاعدة المعلومات لكل شركة لمصلحة الدولة. لكن القرار الذي اقر في المجلس الاعلى للخصخصة قوبل باعتراض مجلس الوزراء واتهم الحريري بأنه يسعى الى تشغيل شركات خاصة تابعة له لمنفعة شخصية.

أكثر المعترضين في حينه كان النائب السابق رئيس مجلس الوزراء عصام فارس الذي ما لبث بعد اطلاعه على معطيات الملف ان تحول الى داعم فكلفت "سبكتروم" اجراء المسح. ثم جرى تكليف المكتب الاستشاري "دوي بالانتين" باقتراح من مجلس الخصخصة اعداد مشروع قانون التنقيب عن النفط والتعاقد مع اختصاصيين لاستكمال مراحل العمل وصولا الى التنقيب ورسى الاختيار على شركة "أي تي انرجي" التي اشارت الى ان المطلوب السير في اتجاهين: اجراء المسح وترسيم الحدود البحرية الذي تم من طريق التعاقد مع المعهد العالمي لدراسة البحار "ساوث هامبتون" الذي اجرى بدوره تحديدا للمواقع انطلاقا من نتائج المسح الزلزالي للمياه الاقليمية فضلا عن تحديد المناطق الاقتصادية وتقسيمها الى مقاطع. ودعا المعهد الى وضع القانون من اجل عرض هذه المناطق على الشركات المهتمة من طريق المزايدة للتنافس على من يدفع أكثر للدولة للحصول على حقوق التنقيب. لكن الحريري لم يكتف بهذا القدر بل اراد معرفة ماذا لدى لبنان وتقدير حجم المخزون ولهذه الغاية تم التعاقد مع شركة "ECL" في مقابل مبالغ تراوحت بين 200 و300 الف دولار وجاءت النتيجة : توافر الغاز والنفط.

ولمزيد من التأكد، استعين برئيس مركز البحوث العلمية معين حمزة الذي توافرت لديه في ذلك الوقت منحة فرنسية ضمن مشروع "شاليمار" اجري بموجبه مسح جديد للساحل لهدف مزدوج: دراسة الزلازل والمسح الجيولوجي وقد جاءت النتيجة مزدوجة: وجود البترول والزلازل وكانت متطابقة مع نتائج المسوحات السابقة.
ولكن تغير الحكومة حوَل الملف الى مسار آخر اذ مع توليه وزارة الطاقة استعاد الوزير أيوب حميد الملف من المجلس الاعلى للخصخصة وكلف مكتب محاماة اميركياً هو "بيكر بوتز" وضع مشروع القانون في مقابل "جعالة سيادية" نسبتها 3 في المئة من الايرادات اذا وجد النفط، فضلا عن دفع ما مقداره مليوني دولار كبدل اتعاب لها. لكن الخلاف مع وزير المال آنذاك فؤاد السنيورة حول العقد دفع بحميد الى تأمين تمويل كلفة العقد من منشآت النفط .

وفي موازاة ذلك، كان ثمة عمل يجرى سرا مع قطر من أجل تجهيز معامل للغاز السائل وذلك بالتزامن مع المفاوضات لتأمين الغاز المصري بحراً. وقد وضعت الدراسات من أجل ربط المعامل شمالا وجنوبا بانبوب غاز على الاراضي اللبنانية وأجريت محادثات في هذا الشأن مع شركة "جايكوبز" الاميركية التي تنفذ خط الغاز بين اوروبا وروسيا. لكن المشروع اصطدم برفض وزير الطاقة الذي عمد الى اجراء استدراج عروض استبعدت فيه شركة "جايكوبز" بحجة انها لا تستوفي الشروط ورسى العرض على شركة "تركتابل" الاوروبية بمبلغ 6 ملايين اورو.

لكن صيف 2004، وقبيل التمديد للرئيس السابق اميل لحود، شهد رفعاً لدعاوى قانونية في حق عدد من المستشارين واستقالة مدير منشآت النفط اسطفان الدويهي. وثمة من يربط بين تلك الدعاوى وما كان ليؤول اليه ملف النفط وارتباط مراجع سياسية به وبين التمديد للحود ثمنا لتجميد الملف.

وبالفعل، جمد الملف الى ان كلف السنيورة رئاسة الحكومة وتولى الوزير محمد فنيش وزارة الطاقة وهو بعد اطلاعه على ما آل اليه، تحرك من اجل اسقاط الدعوى التي رفعتها "بيكر بوتز" ضد الدولة اللبنانية بسبب عدم التزامها شروط العقد. وبالفعل فقد توجه الى واشنطن وفد ضم مستشاري فنيش والمجلس الاعلى للخصخصة لاسقاط الدعوى بعد تدخل من الادارة الاميركية لدى الشركة.
ولأنه لا يمكن البدء بأي خطوات عملية من دون وجود قانون فقد شرع فنيش في التحضير له بالتعاون مع الحكومة النروجية التي ابدت الاستعداد للمساعدة التقنية وتحضير القانون بحسب الشروط التي كانت التزمتها "سبكتروم".

ورغم الجهود الجدية التي بذلت مع نروج، فان السياسة عادت لتطل من باب تأخير اقرار المشروع الذي انجز نحو 90 في المئة من ترجمته الى العربية. ومن المآخذ على وزير الطاقة السابق الآن طابوريان انه أخَر الترجمة 4 اشهر ونصف شهر رافضا رفع المشروع الى مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال (بموجب توافق سياسي) في آخر جلسة للحكومة قبل استقالتها.

ولأن المشروع منجز فلم يكن أمام وزير الطاقة جبران باسيل الا بعثه حياً بادخال تعديلين صغيرين وانما جوهريين على المشروع كما اعده النروجيون: ان تكون الهيئة المشرفة على القطاع برئاسة الوزير المختص، وتكوين الصندوق السيادي وايلاء رئيس الجمهورية رئاسته.

والواقع ان المشروع الاساسي اقترح انشاء هيئة بعيدة من السياسيين مهمتها الاشراف على اعطاء التراخيص وتحضير المزايدات على ان ترفع نتائج اعمالها الى مجلس الوزراء كما اقترح المشروع النروجي ان يتمتع الصندوق بصدقية ومهنية واختصاص الى ان يضم بين اعضائه ممثلين عن المصرف المركزي ووزارة المال واختصاصيين لكن تعديل باسيل راعى الغطاء الطائفي.

لكن تأخر مجلس الوزراء في درس المشروع بعد احالته على لجنة وزارية لم تجتمع سوى مرتين خلال 3 اشهر من رفع المشروع الى المجلس ومع اعلان اسرائيل بدء التنقيب استغل رئيس المجلس نبيه بري البطء الحكومي ليطلب الى النائب علي حسن خليل التقدم باقتراح قانون تبين للمفارقة انه هو عينه مشروع نروج من دون تعديلات باسيل!

واذا كان اجتماع اللجان النيابية المشتركة قد انتهى الى حضّ الحكومة على الاسراع في درس المشروع واضعا الحكومة امام موعد 12 تموز، فان كل المؤشرات تدل على ان المشروع يتجه الى الاقرار بمعزل عن المادتين المتعلقتين بالهيئة والصندوق إذ أن ثمة اتجاهاً الى اقرارهما بقانون خاص.

إلام يؤدي هذا العرض لمسار الملف وماذا بعد وضع القانون على الطاولة؟

اكثر من وزير تعاقب على تولي ملف الطاقة وقد مضى 7 اعوام على بدء العمل الجدي فيه بالتزامن مع بدء كل من اسرائيل وقبرص العمل عينه والنتيجة ان كلتيهما بدأتا التنقيب في حين ان لبنان لا يزال يتخبط في صراعاته السياسية الداخلية.

ولئلا تكون العجلة من الشيطان بعد كل الوقت الضائع، فان المهم الآن اقرار المشروع الذي يشكل خريطة الطريق والوعاء التشريعي والقانوني للأعمال التطبيقية اللاحقة على طريق اكتشاف النفط.

حماية النفط
ولكن تحريك الملف والاسراع في اقرار القانون لن يحميا حقوق لبنان في النفط اذا لم تتخذ الاجراءات العملية لتحقيق ذلك.
فالقانون وحده بحسب مصادر مطلعة على الملف، لا يحمي بل كذلك ترسيم الحدود البحرية.

وهنا تبرز مشكلة الترسيم: فرغم ان لبنان قطع اشواطا بعيدة في مجال ترسيم حدوده ولا سيما عندما كان جزء من الحكومة الاولى للسنيورة في حال اعتكاف، فان الحاجة الآن الى تسجيل الترسيم لدى الامم المتحدة من طرف واحد لأنه يتعذر التوافق مع دول الجوار على ذلك. فالى مقابل مقاطعة اسرائيل تبرز مشكلة مع تركيا رغم ان لبنان انجز ترسيم الحدود مع قبرص. وتعتقد المصادر أنه يمكن معالجة المشكلة بما ان الشركة التي انجزت الترسيم (ساوث هامبتون) هي عينها التي اجرت الترسيم لقبرص التي باشرت بالفعل اعمال التنقيب في آبار مجاورة للمياه الاقليمية اللبنانية.

وأولى الخطوات المطلوبة بعد انجاز المشروع في مجلس الوزراء واحالته على المجلس النيابي للمصادقة عليه على ان يلحظ تقاسم الارباح وآليات التطبيق، هي انجاز تسجيل ترسيم الحدود لدى الامم المتحدة.

وما يحمي لبنان من المواجهة مع اسرائيل يعود الى ان النزاع بات مرتبطاً مع شركة خاصة بعدما رفع لبنان عام 2008 دعوى ضد شركة "نوبل" التي تنفذ اعمال التنقيب على الحدود اللبنانية وتحميلها المسؤولية القانونية والجزائية لتبعة اعمالها.

ولكن ما الذي يؤكد توافر النفط والغاز ومتى يبدأ لبنان الافادة من موارده الطبيعية؟
كل الابحاث والدراسات دلت على توافر الغاز والنفط على السواء وآخرها التقرير الصادر عن شركة "ECL" الانكليزية الذي أكد وجود المادتين. ويشير التقرير الى انه تم تحديد 87 بئرا وقد ابرز العمل على 12 منها وجود كميات لا تقل عن 18 مليار برميل. ووفق تقديرات خبراء النفط ان مردود 18 مليار برميل لن يقل عن 54 مليار دولار حداً ادنى (على اساس احتفاظ الدولة بما يعادل 30 دولاراً بعد حسم تكاليف لكل برميل ).

متى يمكن لبنان الافادة من هذه الثروة؟
ليس قبل 8 سنوات على الاقل من اقرار القانون وبدء استدراج العروض للشركات المهتمة بالتنقيب وفي هذا المجال يشير وزير سابق للطاقة الى ان اكثر من 7 شركات كانت ابدت اهتمامها مما يعني ان الشهية ستكون مفتوحة شرط ان يتوافر الاستقرار السياسي والامني وعدم زج هذا الملف في التجاذبات السياسية والمحاصصات. ورأى ان الخطوات المقبلة لن تكون صعبة باعتبار ان المواقع موجودة ومحددة انما المطلوب ربطها بعضها ببعض على قاعدة توزيع عادل في ما بينها واجراء استدراج العروض لعمليات التنقيب، وتحضير البنى التحتية للحفر والتخزين، واخيرا الاستخراج وتحديد الارباح وتوزيعها.

ويبقى السؤال الاهم: هل تحظى الاجيال المقبلة بفرصة التنعم بذهب لبنان الاسود او يكون مصير هذه الثروة كمصير نعمة الذهب الابيض التي أهدرها اللبنانيون نتيجة سوء الادارة والاستعمال؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل