لقد تعددت الأجتهادات التي عالجت مسألة الحياد، واتخذ المعنيون منها مواقف متباينة انطلاقا من المصلحة الضيقة وامكان توظيف هذه المسألة في ترجيح موقف سياسي مقابل موقف آخر. حتى ان بعضهم اعتبر ان الحياد يناقض الوطنية والقومية، فوصف من ينادي به بالخائن والعميل.
فما هو الحياد، او كما يطلق عليه تسمية الحياد الأيجابي؟ هل يتنافى عمليا مع الثوابت الوطنية والقومية؟ وهل يمكن توظيفه في خدمة الأستقرار؟
الحياد لغوياً هو عدم التحيَز. وفي السياسة، هو تبنَي الدولة موقفا يبعدها عن التكتلات، اي الرغبة في النأي عن النزاعات. وهذا يعني تجنيب الشعب والأرض مختلف الأحتمالات السلبية الناجمة عن الصراعات المسلَحة. اما الحياد الايجابي، فهو نظام قانوني يؤدي الى ايجاد قاعدة ارتكاز تحقق التوازن من خلال عدم الانزلاق في حدَة الصراع بين كتلتين. وهو يعني أبعاد شبح الحرب نهائيا، وجعل الوطن واحة سلام منيعة تسعى الى التقدم السلمي. ان البقاء خارج دائرة الصراعات هو حق ومن خصائص سيادة الدولة، لا بل يشكل احدى الوسائل الهادفة الى حماية الاستقلال الوطني.
لقد نشأت فكرة الحياد الايجابي كظاهرة سياسية بعد ان كابد العالم محنة الحرب العالمية الثانية، ودخل في مرحلة الحرب الباردة، فساد جو عام العلاقات الدولية ما انتج امكانية يحق للدول اللجوء اليها في حال نشوب نزاع مسلَح قد لا يعنيها مباشرة. وقد كانت الدول الافريقية والآسيوية أكثر الدعاة اليها، بعد ان تحولت الى دمية تحركها الدول المتقدمة في صراعاتها المتنوعة، وذلك لتحمي نفسها من شرور الصراع. وكان من مبادئ الحياد الايجابي عدم المشاركة في الاحلاف العسكرية، وعدم الانحياز الى طرف من اطرافها، والتعاون والمشاركة في ايجاد حلول للأزمات من خلال القوانين الدولية. وهكذا اعتبرت سياسة الحياد ايجابية لانها تسعى ضمنا الى ايجاد مبادرات لتعزيز السلام ولتخفيف التوتَر.
لكن الحياد لا يعني اطلاقا اللامبالاة في القضايا التي لها صلة بالوعي الاجتماعي، فلا يمكن للواحد ان يقف حياديا بين الخير والشر، او بين الحرب والسلم، او بين العدالة والظلم. فهذه امور تزامل الانسان بعد تدرَج وعيه الشخصي وصولا الى الاستقلالية التي يتمتع بها ولو نسبيا. اي ان الحياد لا يعني المساواة بين الجلاَد وضحاياه. فالحياد الايجابي ملزم بدعم حركات التحرر والقضايا المحقة. من هنا فسياسة الحياد لا يمكن ان يفهم منها ان الدول التي تتبناها تسعى الى تجريد ذاتها من امكانيات اتخاذ موقف. فالحياد لا يلزم الصمت عما يجري في العالم من ابتعاد عن القيم وطعن لحقوق الأنسان، بل على عكس ذلك، تحتفظ الدول بحرية الحركة وزيادة فاعليتها في انكار سياسة الاعتداء، وفي مواجهة الميل الى السيطرة على الشعوب المغلوبة على أمرها، وفي العمل على نصرتها في سعيها الى حريتها. لذلك لا حياد أبدا بين التحرر والتبعية. فالحياد الايجابي يعني في هذا المجال احترام الاستقلال السياسي لكل دولة، ومراعاة مبدأ عدم التدخَل في شؤونها الداخلية، وتمتعها بحق اختيار النظام الملائم والصالح لها. من هنا يمكن اعتبار الحياد تصرفا قانونيا تمليه المصلحة الوطنية ويعزز التعايش السلمي في الداخل ومع الجوار. وهذا ما يلزم حتما احترام السيادة الترابية للدولة المحايدة، ما يشكل ضمانا أمنيا يسمح لها بالتنمية في المجالات كافة.
أما في ما يرتبط بقضايا الأمة، وعلى رأسها القضية المركزية أي قضية الشعب الفلسطيني، فالحياد لا يعني أبدا التنكَر لها ولأحقيَة الفلسطينيين في استرجاع الأرض السليب. وقد تحمَل لبنان، من دون البلدان العربية الأخرى، وزر القضية ودفع الثمن الباهظ على مستوى استقراره ونموَه وتوازنه. لذلك، يجب ادراج القضية الفلسطينية في عداد القضايا الكثيرة التي لا يتَخذ العرب منها موقفا موحَدا، على الصعيد العملي، وان كان التنظير الأنشائي واحدا. فما يجمع عليه العرب نحمل رايته، لا بل نشكَل رأس رمح في الذود عنه. وما تختلف فيه الأمة العربية، نلتزم معه الحياد والنأي عن الولوج في سياسة المحاور. لقد اعتبر بعضهم مصطلح الحياد الأيجابي بدعة و فكرا هجينا، فلا حياد في الصراع العربي – الأسرائيلي. من حيث الشكل، نحن نؤيَد ما ذهب اليه هذا البعض، اما في الواقع فهذا البعض نفسه يشترك في مفاوضات سلمية مع العدو الأسرائيلي، ما ينزع عن طرحه صفة المصداقية وتبريره قطع الحجَة على اسرائيل لشنَ حرب او مهاجمة القطر. من هنا نطرح السؤال: لماذا يمنع عن لبنان ما يسمح به لغيره؟ فاما ان يلتزم الجميع بهذا الصراع القومي فتتحمَل البلدان العربية جميعها وبالنسبة نفسها مسؤولية هذا الصراع، واما ان يلتزم لبنان، في الحال المعاكسة، موقف الحياد ويرفض بالتالي تحويله الى ساحة وحيدة لتصفية هذا الصراع من جهة، وتصفية الحسابات العربية والأقليمية من جهة ثانية. هذا الحياد يمنع اسرئيل من مهاجمة لبنان ويوفَر على الوطن مزيدا من الخسائر على مستويي الحجر والبشر، ويحمي الكيان.
ان الحياد الأيجابي الذي يحصَن لبنان خارجيا، ينعكس في الداخل استقرارا يدعم التوازن ويحفظ العيش المشترك ويمنع التدخلات والأعتداءات، ويضع حدا لميل الأفرقاء الى الأستعانة بالخارج لتعزيز وضعهم الداخلي. فتكون المنافسة بينهم محصورة في المجال التنموي البحت، ما يجعل المواطن يستعيد الثقة بوطنه مجالا رحبا آمنا لتحقيق ذاته ومستقبل الأجيال.