#adsense

مصلحة لبنان فوق كل اعتبار

حجم الخط

لعل إصرار الرئيس سعد الحريري على تضمين البيان الوزاري فقرة محددة تتعلق بـ"أولويات الناس" الحياتية، يعكس مدى اهتمام الحريري بأحوال الناس المعيشية وتأمين حاجاتهم من جهة، والهامش الضيق الذي تعمل من ضمنه حكومته من جهة أخرى، باعتبار أن التفاهم السوري – السعودي والستاتيكو الأقليمي يحولان دون إحراز أي تقدم في الملفات السيادية من العلاقات اللبنانية – السورية إلى سلاح "حزب الله" عبر وضع قرار استخدام هذا السلاح داخل الحكومة التي يشارك فيها الحزب وما بينهما السلاح الفلسطيني. ولكن أن تتحول مسألة "أولويات الناس" إلى ابتزاز سياسي يومي يمارسه "حزب الله" على الرئيس الحريري مقابل استمرار الأخير في تدوير الزوايا حفاظا على المناخ التوافقي ولو بأي ثمن في الوقت الذي يستكمل فيه الحزب مخططه الرامي إلى تدمير المؤسسات وضرب علاقة الدولة مع الخارج وكشف لبنان، فهذا ما يفترض وضع حد نهائي له، خصوصا أن الأولويات التي يعمل عليها الحريري تشمل كل الناس وليست لفئة معينة من هؤلاء الناس.

ليس المقصود من وراء هذا الكلام الدعوة لاسقاط الحكومة أو تغييرها، خصوصا أن الظروف والعوامل والاعتبارات التي أفضت إلى تشكيل هذه الحكومة بتوازناتها وطبيعة تركيبتها ما زالت هي نفسها، وبالتالي أي تغيير حكومي يعني إما الدخول في أزمة وزارية أو إعادة تشكيل حكومة جديدة وفق توازنات الحكومة الراهنة نفسها. كما أن انفراط عقد المساكنة الهش وغير الطبيعي بين مكونات حكومة الرئيس الحريري يعني انفراط عقد التفاهم السوري – السعودي، وهذا ما يبدو مستبعدا في الوقت الحالي. ولذلك لا تغيير حكومي في الأفق المنظور، وهذا ما يستدعي من رئيس الحكومة والفريق الوزاري الـ 14 آذاري إعادة النظر بالسياسة المتبعة من قبله مع الفريق الآخر، لا الاستمرار على هذا المنوال من التنازلات والتسويات التي قد تطيح بالبلد.

فالمطلوب من حكومة الحريري التصدي لسياسات "حزب الله" لا الوقوف موقف المتفرج إزاء الملفات التي يعمل على فبركتها، الأمر الذي يضع قوى "14 آذار" في موقع الدفاع عن النفس، مما يضعفها ويعطي انطباعا بأن التوازن بات مختلا لمصلحة "حزب الله"، وهذا الأمر لا يعكس حقيقة الأوضاع المتمثلة في وجود توازن داخلي حقيقي مقابل تفوق 14 آذاري خارجي في ظل إيران المحاصرة والمعاقبة وسوريا الحائرة والمأزومة. ويكفي في هذا الإطار استعراض بعضا من الملفات التي أثارها "حزب الله" بهدف شل عمل الحكومة وإرباكها من الهبة الأميركية إلى قوى الأمن الداخلي وافتعال أزمة الـ11 مليار دولار لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة مرورا بالـ500 مليون دولار التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية إلى هيئات أهلية من جمعيات وبلديات لا سيما في البقاع والجنوب والتنقيب عن النفط الذي تحول إلى أولوية الأولويات ومدخلا لاسترداد صلاحيات رئاسة الجمهورية عبر ما سمي "الصندوق السيادي" وصولا إلى اقتراح قانون اللقاء الديمقراطي المفخخ حول حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتوقيف موظف في شركة ألفا للهاتف الخلوي بتهمة التجسس لحساب إسرائيل والاعتداءات المبرمجة على قوات اليونيفل.

من الثابت أن "حزب الله" يستفيد من الوقت الضائع لاحداث انقلاب سياسي في الوضع الداخلي اللبناني، كونه يدرك أن الأوضاع لم تعد جامدة كما كان يتمنى ويتصور إنما باتت متحركة وبوتيرة متسارعة في أكثر من ملف وعلى صعد مختلفة، من العقوبات التصاعدية على إيران إلى المحكمة الدولية وما بينهما الخطة الأميركية لتسريع مفاوضات السلام الفلسطينية – الإسرائيلية، وبالتالي لا يريد الحزب أن يكون في موقع رد الفعل، إنما يسعى لحسم الازدواجية الناشئة منذ العام 2005 بين المقاومة والدولة لمصلحته من أجل وقف التعاون مع المحكمة الدولية واستطرادا المجتمع الدولي، وإحباط أي مسعى سلمي يفقد إيران أهم أوراقها الاستراتيجية، وتحويل بيروت إلى ساحة متفجرة تخفيفا للضغط على طهران. ولعل متابعة مواقف نواب "حزب الله" ومسؤوليه تظهر أن الحزب بدأ يفقد صوابه، وهو يريد السيطرة كليا على الوضع قبل حصول أي تطور إقليمي مفاجئ، ولا يوجد أي تفسير آخر إن لحملة التخوين المفتوحة التي يشنها الحزب على أخصامه، أو لهذه الفبركة المبرمجة من الملفات المختلقة التي يثيرها بهدف إلهاء الرأي العام وإضعاف الحكومة وتحوير النقاش عن القضية الأساس أي سلاحه، أو أن يصل به الحد إلى الإعلان عن نيته تعقب وملاحقة المشتبه بتعاونهم مع إسرائيل في كل المجالات السياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية. وهذه الدعوة الأخيرة هي دعوة انقلابية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، كونه لم يكتف بوضع نفسه فقط محل الدولة وأجهزتها، إنما عبر عن انزعاجه من طبيعة النظام السياسي اللبناني المتنوع والمتعدد والمنفتح على كل الثقافات والمتفاعل مع جميع الحضارات، وبالتالي عزمه على ملاحقة كل من لا يتبنى ثقافة المقاومة في السياسة والاقتصاد والعسكر والأمن والسياحة والاجتماع والثقافة، أي تدمير الهوية اللبنانية وبناء هوية جديدة تفترض العودة آلاف السنين إلى الوراء بحثا عن هوية مثيلة لها أو شبيهة بها.

وعليه، يفترض بالحكومة وبقوى "14 آذار" استرداد المبادرة السياسية لا لشيء إلا حماية للبنان، وقد أحسنت هذه القوى، على سبيل المثال، في طريقة تعاطيها، ولو المتأخرة، مع الملف الفلسطيني بإعادته إلى حيث يجب أن يكون، أي النقاش الهادئ والرصين داخل اللجان والتنسيق بين مكونات "14 آذار" من أجل بلورة موقف موحد إسلامي- مسيحي لـ"14 آذار" من هذا الملف بتقديم اقتراح قانون بشأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين الانسانية والاجتماعية، بعد أن سعى أصحاب هذا المشروع إلى تحقيق جملة أهداف دفعة واحدة: تشويه صورة ونظرة المسيحيين حيال القضية الفلسطينية وعدالة هذه القضية، إعادة طرح القضية الفلسطينية وكأنها قضية خلافية في لبنان علما أن هذه القضية لم تعد كذلك منذ منتصف الثمانينيات وتحديدا مع اتفاق الطائف وأخيرا مع إعلان فلسطين في العام 2008 حيث جرى إقفال هذه القضية نهائيا، التعمية بشأن الخلاف الحقيقي الموجود اليوم في لبنان وهو الخلاف بشأن سلاح "حزب الله" ومحاولة سوريا إعادة هيمنتها على القرار السياسي اللبناني، وإعادة الخلاف بين اللبنانين إلى خلاف طائفي بين المسيحيين والمسلمين، علماً بأن الخلاف في لبنان منذ اتفاق الطائف وبشكل أدق منذ انتفاضة الاستقلال تحول إلى انقسام سياسي بين "14 آذار" وبين "8 آذار". وبذلك تكون قوى "14 آذار" قد أحبطت الأهداف السورية الواردة أعلاه.

كما تمكنت قوى 14 آذار أيضا من وضع حد للتسريب الإعلامي الذي يقف وراءه "حزب الله" في قضية الموظف في شركة "ألفا"، وإحباط محاولته الربط بين توقيف المتهم شربل ق. وبين موضوع المحكمة الدولية، على خلفية أن الاتصالات الخلوية هي مصدر أساسي للمعطيات والمعلومات الواردة في التحقيق الدولي، ويمكن أن تكون عرضة للتلاعب بها.

أما لجهة استهداف "حزب الله" لقوات اليونيفل، فلا شك أن التعاطي الحكومي مع هذه المسألة لم يكن على المستوى المطلوب، خصوصا أن الحزب أراد من وراء هذه الاعتداءات تحقيق جملة أهداف دفعة واحدة أهمها:

أولا: إظهار عجز الحكومة عن ضبط الوضع بغية دفع الحكومة الفرنسية إلى طلب تدخل السوريين حماية لجنودها فيتحقق بذلك هدف سوريا وإيران بتطويع فرنسا التي شكلت رأس حربة في الملف النووي الإيراني، وعبرت بوضوح عن استيائها من تنصل سوريا من وعودها بعدم التدخل في لبنان وفلسطين والعراق والفك عن إيران.

ثانيا: وضع المجتمع الدولي أمام معادلة إما التخلي عن المحكمة الدولية وإما تحويل الجنود الدوليين إلى رهائن.
ثالثا: إفراغ القرار 1701 من مضمونه وتقييد حركة القوات الدولية وشلها ليأخذ "حزب الله" حريته في تخبئة الأسلحة والتحرك الميداني العسكري، خصوصا أن ثمة وجهة نظر داخل حزب الله تقول بأن الفارق بين حرب تموز 2006 وأي حرب مقبلة هو وجود القوات الدولية جنوب الليطاني، ما قد يشكل ثغرة تتيح للمجتمع الدولي بسط سيطرته الميدانية الفعلية على أرض الواقع نتيجة أي خلل يمكن أن يصيب "حزب الله" من تداعيات الحرب المحتملة.

فالحزب بالمحصلة يريد تحويل القوات الدولية إلى رهائن وشهود زور، علما أن حرية حركة القوات الدولية مصانة بالقرار 1701، وقد أكد على ذلك أمين عام الامم المتحدة بان كي مون والدول المشاركة فيها. وللتذكير فقط، بأن قوى 14 آذار رفعت في مؤتمرها الثالث في الذكرى الخامسة لانتفاضة الاستقلال شعار حماية لبنان، معتبرة بأن المدخل إلى ذلك يكون في تطبيق القرار 1701 والالتزام بمندرجاته والتسلح بالشرعيات الثلاث: المحلية والعربية والدولية. ولعل ما جرى من اعتداءات على قوات اليونيفل يندرج في سياق رفع المظلة الدولية عن لبنان لإعادة استباحة الساحتين الجنوبية واللبنانية لأهداف إيرانية.

لقد نجحت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية، أي ما بعد اتفاق الدوحة، بالحفاظ على عامل التوازن داخل المشهد السياسي اللبناني، كونها بدّت مصلحة البلد على أي اعتبار آخر، وبالتالي المطلوب من حكومة الرئيس سعد الحريري التي تعمل تحت سقف تفاهم الدوحة نفسه، وقف هذا المسلسل الانكفائي من تراجع إلى تراجع، خصوصا أن احتواء الأزمات، حسب ما دلت التجربة، لا يكون باستجابة مطالب حزب الله إنما في عودة الكباش السياسي ومواجهته وحتى لو اقتضى الأمر تجميد العمل الحكومي، لأن مجرد استجابة مطالب هذا الحزب يعني تخلي الدولة بشكل تلقائي وطوعي عن دورها في المفاوضة مع الخارج وعن استقلالها وسيادتها، ما يحولها إلى دولة مارقة. كما أن أولوية الناس الفعلية هي في الحؤول دون الانزلاق التدريجي نحو تغيير طبيعة الحكم في لبنان، وذلك تلافيا لتداعيات هذا الانزلاق من الاطاحة بالقرار 1701 وكشف البلد إلى تعريض اللبنانيين لأخطار هم في غنى عنها وتحويل هذا البلد إلى مقاطعة إيرانية أو سورية معزولة عن الشرعيتين الدولية والعربية. فالمدخل الفعلي لتحقيق أولويات الناس الحياتية يكون في قيام الدولة الديمقراطية والسيدة على أرضها وإحقاق العدالة مهما كان ثمن هذه العدالة وليس في التسليم بمعادلات استبدادية ولى عليها الزمن على شاكلة مقايضة الناس بين بقاء الجيش السوري أو الحرب الأهلية، وبقاء المحكمة الدولية أو الحرب الأهلية، وبقاء سلاح "حزب الله" أو الحرب الأهلية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل