لو عدنا الى حادث الانفجار الكبير الذي شهدته بلدة خربة سلم الجنوبية قبل اشهر، لتراءى لنا ان جانبا من اسباب الازمة التي تفجرت اليوم بين "حزب الله" المتلطي خلف ما يسمى "الاهالي" وقوات "اليونيفيل"، يعود في حقيقة الامر الى تكثيف الحزب تسلحه في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني متخليا عن "طوبوغرافيا" الارض المفتوحة التي كانت قائمة في مرحلة ما قبل حرب تموز 2006، ومستعيناً بـ"طوبوغرافيا" القرى والبلدات الجنوبية لتكديس الذخائر والاسلحة. هذا ما يدفع "الاهالي" الى التصدي لقوات "اليونيفيل" كلما دخلت قرية او بلدة على حين غرة، وخصوصا ان القوات المذكورة كثيرا ما تتحرك في اطار معلومات تحصل عليها عن وجود مخابئ للسلاح او بنى تحتية عسكرية تتناقض مع ما نص عليه القرار 1701 الذي يشير بوضوح تام على ان تكون منطقة عمليات "اليونيفيل" خالية تماما من السلاح. وقد كلف الجيش الحرص على اتمام المهمة بمساندة من القوات الدولية. ومن هنا فإن حرية حركة القوات الدولية مرشحة لأن تكون مقيدة، وخصوصا ان الجيش، ووفق شكوى "اليونيفيل"، يبدو في المنطقة المشار اليها مستقيلا بشكل شبه تام عن اداء المهمات الموكولة اليه وفق القرار الدولي. وحتى الآن ليس مفهوما ما اذا كان الجيش المرابط جنوب الليطاني يتصرف بوحي من قيادته الميدانية التي يقال انها لا تقطع خيطا من دون العودة الى "حزب الله"، او بوحي من قرار اعلى يتصل بالقيادة نفسها.
لقد بلغت الامور مرحلة حساسة بالنسبة الى دور القوات الدولية في جنوب لبنان، وكذلك بالنسبة الى حسن تنفيذ القرار 1701، فبعد انتهاء "حزب الله" من بناء خط عسكري في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، وبعد نجاحه في الامساك بجزء كبير من القرار السياسي اللبناني كنتيجة مباشرة لغزوات 2008 في بيروت والجبل والبقاع الاوسط والشمال، يعود التركيز على منطقة عمليات "اليونيفيل" وسط غياب للجيش الموكولة اليه مهمة "بسط سيطرة الدولة اللبنانية" على كامل الأراضي اللبنانية، فما بالك بمنطقة مشمولة بقرار دولي تعمل ضمنه قوات دولية يحتاج اليها لبنان اكثر من اسرائيل، منعا لعودته ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية. ولعل الاصعب هنا ان فئة لبنانية مسلحة جعلت من اقحام لبنان في حروب الآخرين شغلها الشاغل. أما الانكى فاستقالة القرار السياسي اللبناني بما يترك الارض سائبة والقرار سائبا، وحماية لبنان مسألة نظرية لا تخضع عمليا سوى لما يطبخ في الخارج، وما ينفذ على الارض بناء على اشارة صادرة عن "حارة حريك".
لقد بلغت الامور مرحلة حساسة لأنه مع اقتراب مناقشة تقرير الامين العام للامم المتحدة حول القرار 1701، ومع مسارعة فرنسا الى "تحمية" مجلس الامن، فإن الخيارات المطروحة ستراوح بين ان تعود "اليونيفيل" الى الثكن وتمتنع عن اداء عملها الميداني، فاتحة الباب امام "اجتهادات" اقليمية مفادها ان ارض الجنوب عادت سائبة وتالياً فالتعامل معها سيختلف عما سبق مما يزيد فرص نشوب حرب في المدى المنظور، وبين خيار الانسحاب الذي سيكون بمثابة اعلان صريح أن الجنوب هو الساحة المقبلة لحرب اقليمية محتومة.
ان الجيش اللبناني ليس وحده المعني ببسط سيطرة الدولة بل الدولة نفسها معنية على اعلى المستويات بقرار جريء، وبموقف يستنقذ الجنوب من النار التي تستطيب فئة غير مسؤولة اللعب بها من دون اي اعتبار لرأي عام لبناني كبير ومتنوع يرفض حروبا مفروضة بأجندات خارجية، قدر احتقاره من يلوحون ببيارق التخوين.