#adsense

إخضاع “اليونيفيل” أم إخضاع لبنان؟

حجم الخط

التأزم الداخلي يتوازى مع آخر اقليمي ويرجّح احتمالات التصعيد
إخضاع "اليونيفيل" أم إخضاع لبنان؟

حتى الآن بدا أن المتابعات السياسية على أكثر من مستوى، والمعالجة الميدانية للقيادتين العسكريتين للجيش اللبناني و"اليونيفيل"، أثمرت لجماً لأي تداعيات سلبية محتملة للأزمة الناشئة عن الصدامات التي شهدتها بعض قرى الجنوب بين الأهالي وعناصر من القوة الدولية. أو هكذا تبدو الصورة، من دون أن يعني ذلك أن ما جرى لن يكون له صدى في جلسة مجلس الأمن في 14 الجاري والمخصصة لمناقشة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن تنفيذ القرار 1701.

والواقع أن ما جرى ترك أسئلة تتجاوز البحث السياسي الإعلامي المحلي المرتكز إلى تصوير الأزمة بأنها خلاف لفظي على تفسير منطوق القرار 1701، وخصوصاً في مندرجاته المتعلقة بضمان حرية التحرك لوحدات وعناصر القوات الدولية في مناطق عملها، وخصوصاً إذا ما قُرأ من زاوية التغطية السياسية والمواقف المتشنجة التي رافقته، وبدا أنها تهدف إلى إيصال رسائل معينة تتجاوز مقولة اعتراض الأهالي على تنقلات الجنود الدوليين.

وبحسب متابعين فإن ثمة خيطاً يربط بين ما يجري، أو يعطفه على ملفات إقليمية أوسع، مع قاسم مشترك أكيد هو أن لا مصلحة للبنان بأي توتير داخل حدوده، إن لناحية أن ثمّة أولويات وطنية أخرى ملحة لهذه المرحلة، أو لناحية صون موقع الجيش ودوره من التجاذبات السياسية، أو لناحية ضرورة حفظ علاقة لبنان بالدول المشاركة في قوات "اليونيفيل" ومع مؤسسات المجتمع الدولي في ظرف إقليمي مربك وشديد التعقيد.

وبموازاة الالتباس حول الكلام على قواعد الاشتباك والرغبة في تغييرها، من جانب آحادي طبعاً، يمكن تسجيل عدد من التطورات التي شهدتها الساحة الداخلية أخيراً، وعكست مؤشرات سلبية تقود جميعها إلى الاستنتاج بأن الأمور متجهة نحو مزيد من التأزيم، ومن ذلك:

أولا: الاعتداءات المتكررة على اليونيفيل، وكان للوحدة الفرنسية منها نصيبان، معطوفة على حملة سياسية تحت عنوان إعادة تفسير القرار 1701، بما يجعل هذه القوات واقعة بين حدّي، إرساء تفاهم مع قوى الأمر الواقع يجعلها أسيرة المساومات على الطريقة اللبنانية، ويفرّغ حركتها والدور المنوط بها لناحية مراقبة أي تحرك مسلح ونقل السلاح وتخزينه جنوب الليطاني. أما الحدّ الثاني فالضغط على هذه القوات والتهويل على دولها توصلاً لسحب وحداتها من جنوب لبنان، وفي ذلك إضاعة للكسب اللبناني الذي تحقق بالقرار 1701 وجعل لبنان مفتوحاً على احتمالات المجهول.

ثانياً: الحملة المتصاعدة على المحكمة الخاصة بلبنان، تارة بوصفها مسيّسة، وتارة أخرى باعتبارها "مؤسرلة"، وصولاً إلى نصح من هو معنيّ بها، أي الرئيس سعد الحريري برفضها باعتبار أنها أداة إسرائيلية أميركية هدفها ضرب الاستقرار في لبنان وإحداث فتنة من خلال استهداف سلاح "حزب الله".

ثالثاً: الحملات السياسية- الإعلامية التي أعقبت حادثتي الحريق في زحلة والذي صوّر بشكل مبرمج على أنه كان في إطار التحضير لاستهداف البطريرك الماروني نصر الله صفير خلال زيارته البقاع، وتوزيع مناشير في قرى شرق صيدا، والتي كادتا لولا الكشف عنهما وتبيان حقيقتهما أن تحدثا فتنة كبيرة، من دون إغفال الزوبعة التي صاحبت توقيف موظف شركة الاتصالات الخلوية بتهمة العمالة لإسرائيل.

رابعاً: إلى الربط بموضوع المحكمة، ثمة من يربط ما يجري بالعقوبات على إيران، لكن آخرين يربطونه بحديث الحرب الذي علا ضجيجه مجدداً بعدما كان خفت في أعقاب الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية الشهر الماضي. وبحسب هؤلاء فإن المؤشرات الجديدة تتقاطع على أن إسرائيل تحضّر لشنّ حرب على لبنان بداية الخريف المقبل مستفيدة من جملة ظروف دولية وإقليمية. فإدارة الرئيس باراك أوباما ستكون منشغلة بالانتخابات النصفية للكونغرس، وللصوت اليهودي فيها أهمية استثنائية، وهي بالتالي لن تمارس أي ضغوط على تل أبيب لوقف حربها التي لن تستهدف "حزب الله" بمقدار ما ستعمد إلى تدمير البنية التحتية اللبنانية وتضغط على اقتصاده وتشل حركة مؤسساته.

هذه المناخات تتلاقى مع حقيقة انسداد أفق عملية السلام ووصول المفاوضات غير المباشرة إلى طريق مسدود، ومع قناعة غربية راسخة بأن لا عمل عسكرياً ضدّ إيران في المدى المنظور، فيبقى، والحال هذه، أن المخرج المتاح لكسر حالة الانسداد القائمة على مستوى المنطقة هي "الحرب البديلة" عن أي مواجهة مباشرة مع إيران أو سوريا من خلال توجيه ضربة إلى "حزب الله"، مع وعد إسرائيلي سابق بأن أي حرب ضد لبنان لن تُبقي بقعة خارج الدمار، ناهيك عن التبعات السياسية والاقتصادية والأهلية المدمرة.

هكذا، تبدو الصورة في دلالاتها ومغازيها التي تتجاوز الطابع المحلي الضيّق، وعلى كل حال، أيّاً تكن الرسائل التي تحملها أحداث الجنوب، ومهما كانت خلفياتها وأسبابها، إلا أن الأكيد في الأمر هو أن وجود اليونيفيل هو لحماية لبنان فقط لا غير"، بحسب ما قال الرئيس الحريري، وبالتالي فإن المسّ بها أو استفزاز الدول التي تنتمي إليها ليس في مصلحة لبنان. والأكيد الأكيد أن ليس من الحكمة في شيء استعداء المجتمع الدولي وإعطاء إسرائيل ذرائع مجانية لأي عدوان جديد، تعلم هي قبل غيرها أن دماره سيكون شاملاً بكل المعاني.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل