هل تكون المحاولة الأميركية الأخيرة لإحياء ما تبقّى من أمل بالسلام ؟
لا حلّ جذرياً إلا بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلّها
قال الرئيس بشار الاسد في مقابلة مع صحيفة ارجنتينية "ان تجربتنا مع الولايات المتحدة الاميركية اثبتت انها عاجزة عن ادارة عملية سلام من البداية الى النهاية، وانها ضعيفة للغاية لانجاح هذه العملية في الشرق الاوسط".
هذا القول معناه ان الوضع في المنطقة ذاهب اما الى الحرب واما الى استمرار "الستاتيكو"، ولا سيما ان الحرب قد لا تكون حاسمة لتفرض صلح المنتصر، ودوام الوضع على ما هو ليس في مصلحة الدول الراغبة في السلام.
لقد التقى الرئيس اوباما العاهل السعودي، وافادت المعلومات عن حصول تقدم في السير نحو تحقيق السلام الشامل في المنطقة، والتقى ايضا رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد تكون المساعي الاميركية الجادة هي المحاولة الاخيرة لاحياء ما تبقى من آمال السلام، قبل ان تنشغل الادارة الاميركية في الانتخابات الرئاسية فينتظر السلام عندئذ وكالعادة نتائج هذه الانتخابات لمعرفة من هو الرئيس المقبل للولايات المتحدة الاميركية.
لا شك في ان الرئيس اوباما اذا ما توصل الى تحقيق السلام في المنطقة قبل نهاية ولايته، فانه يكون قد انجز عملا تاريخيا مهما لم يستطع اي رئيس اميركي قبله انجازه، سواء وفر له ذلك تجديد ولايته أم لم يوفره.
لقد بات واضحا للجميع ان اسرائيل هي التي لا تريد السلام لانها لا تنوي اعادة الاراضي العربية والفلسطينية التي تحتلها الى اصحابها بل تتحدث عن اعادة قسم منها فقط، حتى انها لن تعيد هذا القسم الا بعد ان تضمن لنفسها الامن قبل السلام. لذلك فهي تشترط مقايضة الارض بالأمن تمهيدا لتوقيع اتفاق سلام. فلا هي تنسحب من الاراضي الفلسطينية التي تحتلها الا بعد ان تلقي التنظيمات الفلسطينية ولا سيما منها المتشددة مثل "حماس" سلاحها وتوقف اعمال العنف واطلاق الصواريخ، ولا تنسحب من هضبة الجولان السورية الا اذا منعت سوريا مرور الاسلحة عبر اراضيها الى هذه التنظيمات في فلسطين والى "حزب الله" في لبنان. كما انها لا تنسحب من بقية الاراضي اللبنانية التي تحتلها الا اذا سلّم هذا الحزب سلاحه الى الدولة اللبنانية وتم ضبط الحدود لمنع تهريب الاسلحة اليه.
هذه الشروط الاسرائيلية التي تجعل العرب والفلسطينيين في حال التسليم بها يجلسون الى طاولة المفاوضات وهم في موقف ضعف بحيث تستطيع اسرائيل، وهي الاقوى، ان تملي شروط السلام عليهم، في حين ان احتفاظ العرب والفلسطينيين بأسلحتهم للجوء الى المقاومة في حال فشلت المفاوضات يجعل اسرائيل في وضع مختلف عند الجلوس الى طاولة المفاوضات.
الواقع لو ان اسرائيل تريد السلام فعلا ولا تحاول ان تجعل منه ورقة للمساومة والابتزاز، لكانت انسحبت من الاراضي الفلسطينية من دون ان تشترط تحقيق الامن اولا، بل كان تحقيق السلام الشامل والعادل هو الذي يحقق الامن الثابت والدائم، ولكانت انتفت اسباب بقاء التنظيمات الفلسطينية المقاومة وتبدد الخوف من اعمال عنف تقوم بها ضد اسرائيل. ولو انها انسحبت من هضبة الجولان السورية من دون ان تشترط منع مرور الاسلحة عبر الاراضي السورية الى "حزب الله"، لكان هذا الانسحاب كافيا لجعل سوريا تمنع مرور هذه الاسلحة اذ لا تعود ثمة حاجة اليها. ولو انها انسحبت من بقية الاراضي اللبنانية المحتلة من دون اشتراط سحب السلاح من "حزب الله" لكانت انتفت اسباب وجود هذا السلاح ولم تعد ثمة حاجة الى المقاومة.
ان اصرار اسرائيل على ضمان امنها قبل تحقيق السلام الشامل في المنطقة هو الذي حال حتى الآن دون تحقيقه. فالامن والسلام تحققا بين اسرائيل من جهة ومصر والاردن من جهة اخرى لانها انسحبت من اراضيهما المحتلة، واذا كان هذا الامن لم يتحقق بين اسرائيل من جهة ولبنان وسوريا وفلسطين من جهة اخرى، فلأنها لم تنسحب من الاراضي التي تحتلها لتعيدها الى هذه الدول، فظلت تحتل الجولان في سوريا ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من قرية الغجر في لبنان، كما انها ظلت تحتل القسم الاكبر من الاراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية.
لذلك، فان على اسرائيل اذا كانت تريد حقا الحصول على الامن والسلام معا، واذا كانت الدول الكبرى ولا سيما منها الولايات المتحدة الاميركية، تريد ذلك ايضا فلن يتم ذلك الا بانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية والفلسطينية التي تحتلها تطبيقا لقرارات مجلس الامن ولمبادئ مؤتمر مدريد وهو ما يحقق الامن الدائم والثابت والسلام الشامل والعادل في المنطقة، وينهي وجود التنظيمات والاحزاب المسلحة والمقاومة ويصير اعتبار وجودها وبقاء السلاح خارج الدولة له صفة الارهاب ومطلوب مكافحته.
فليس اذاً من حق اسرائيل ان تطلب الحصول على الامن قبل ان يحصل العرب والفلسطينيون على السلام لان السلام هو الذي يحقق الامن وليس العكس. فاذا لم تتجاوب اسرائيل رغم مرور سنوات طويلة من المماطلة والمراوغة مع المساعي التي تبذل لتحقيق السلام، فينبغي على هذه الدول ان يكون لها موقف حازم وصارم من اسرائيل ليس حبا بالعرب والفلسطينيين بل حبا بمصالحها الحيوية في المنطقة التي ينبغي الا تضحي بها كرمى لاسرائيل. فلقد آن اوان وقف التلهي بالزيارات واللقاءات، وبالجدل العبثي حول المفاوضات غير المباشرة والمفاوضات المباشرة، وتحريك مسار قبل مسار، بل بوضع جدول زمني واضح بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية والفلسطينية كي يتم على اثر هذا الانسحاب توقيع السلام مع اسرائيل وتطبيع العلاقات معها فلا تعود دولة عدوة في المنطقة بل دولة جارة من المنطقة.
هل تكون زيارة نتنياهو الى واشنطن ولقاؤه الرئيس اوباما زيارة تغير الوضع في المنطقة نحو الافضل والاحسن، ام زيارة كسائر الزيارات لا تغير شيئا بل تسير بالمنطقة من سيئ الى أسوأ؟